قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».1 وأورده الضياء في «المختارة».2 وقال المنذري: «رواه النسائي والبزار بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما».3 وقال الهيثمي: «رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير عثمان بن موهب وهو ثقة».4 وقال ابن حجر: «هذا حديث حسن غريب».5 وحسنه الألباني.6
رواه النسائي،1 والبزار،2 والبيهقي،3 والضياء،4 من طرق عن زيد بن الحباب، عن عثمان بن موهب الهاشمي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا.
وقال البزار عقب الحديث: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد».5 فمدار هذا السياق على عثمان بن موهب، عن أنس، ولم يعرف له عن أنس متابع في قوله: «إذا أصبحت وإذا أمسيت».
وقد وقع اختلاف مهم في اسم شيخ زيد بن الحباب. فرواه عبد الرحمن بن محمد بن سلام، والحسن بن علي الحلواني، وإسحاق بن إبراهيم الصفار، وهارون بن عبد الله الحمال، وسلمة بن شبيب، والحسن بن الصباح في رواية، كلهم عن زيد بن الحباب، عن عثمان بن موهب الهاشمي. وهذا هو الوجه المحفوظ لكثرة من رواه كذلك عن زيد.
وخالفهم الحسن بن الصباح في رواية الحاكم، فقال: عن زيد بن الحباب، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن أنس.6 وهذه النسبة غير محفوظة؛ لأن عثمان بن عبد الله بن موهب راو آخر معروف، وهو الذي أخرج له الشيخان، ويبدو أن وقوع اسمه في إسناد الحاكم هو الذي حمل الحاكم على قوله: «على شرط الشيخين». وقد نبه المزي صراحة في ترجمة الراوي المحفوظ إلى أنه «عثمان بن موهب الكوفي مولى بني هاشم»، وأنه ليس بعثمان بن عبد الله بن موهب.7
وخالفهم أيضًا أبو هشام الرفاعي، فرواه عن زيد بن الحباب، عن «ابن موهب»، عن أنس، وعيّنه ابن صاعد بأنه عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، أخرجه ابن عدي.8 لكن أبا هشام الرفاعي ضعيف، فلا تقاوم مخالفته رواية الجماعة عن زيد، ولذلك فالمحفوظ: زيد بن الحباب، عن عثمان بن موهب الهاشمي، عن أنس.
وعثمان بن موهب هذا قليل الحديث جدًا؛ قال المزي: «روى عن أنس بن مالك»، وذكر هذا الحديث بعينه، ثم قال: «روى عنه زيد بن الحباب»، ولم يذكر له غيره، ونقل عن أبي حاتم قوله: «صالح الحديث»، ثم قال: «روى له النسائي في اليوم والليلة هذا الحديث الواحد».9 وقال أبو حاتم فيه مباشرة: «صالح الحديث».10
لكن عبارة أبي حاتم «صالح الحديث» لا تساوي عنده «ثقة» ولا «صدوقًا يحتج به عند التفرد»؛ فقد جعل ابن أبي حاتم مرتبة من قيل فيه: «صالح الحديث» ممن «يكتب حديثه للاعتبار».11 وهذا هو موضع الإشكال في الحديث: عثمان ليس متروكًا ولا شديد الضعف، ولكنه مقل، لم يرو عنه إلا زيد بن الحباب، ولم يأت فيه توثيق متقدم صريح يرفعه إلى مرتبة من يحتمل هذا التفرد. وقد لخص الذهبي حاله فقال: له عن أنس، «تفرد عنه زيد بن الحباب»، ثم ذكر قول أبي حاتم: «صالح الحديث».12
وأما قول الهيثمي: «وهو ثقة» فهو متأخر، ولم أقف على إمام متقدم وثق عثمان بلفظ «ثقة»، والمحفوظ عن أبي حاتم إنما هو «صالح الحديث». وكذلك قول الحاكم: «على شرط الشيخين» لا يستقيم بعد تحرير اسم الراوي؛ فإن الذي في الرواية المحفوظة عثمان بن موهب الهاشمي، لا عثمان بن عبد الله بن موهب الذي أخرج له الشيخان.
وروي عن أنس طريق آخر في أصل الدعاء، رواه الطبراني،13 والطبراني،14 والطبراني،15 من طريق سلمة بن حرب بن زياد الكلابي، عن أبي مدرك، عن أنس، وفيه أن فاطمة رضي الله عنها كانت محمومة فقال لها النبي ﷺ: «أين الدعاء الذي علمتك؟»، وفيه: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ». وقال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به نصر بن علي».16
وهذه الطريق لا تصلح متابعة؛ لأن فيها سلمة بن حرب وأبا مدرك، وهما مجهولان، وقد قال الهيثمي: «فيه سلمة بن حرب بن زياد وأبو مدرك، ولم أعرفهما» ونقل عن الذهبي تجهيلهما.17 ثم إن هذه الرواية نفسها لا تذكر الصباح والمساء، فلا تصلح على ضعفها شاهدًا للقيد الذي تفرد به عثمان بن موهب.
ولقوله: «أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» شاهد من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».18 فهذا يشهد لأصل هاتين الجملتين، ولا يشهد لقوله: «إذا أصبحت وإذا أمسيت».
وروي عن أنس أن النبي ﷺ «كان إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»، رواه الترمذي من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس.19 ويزيد الرقاشي ضعيف، ومع ذلك فهذه الرواية إنما تشهد لأصل «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»، وليس فيها وصية فاطمة، ولا تقييد الذكر بالصباح والمساء.
فلا يصح جمع هذه الشواهد ثم الحكم على الحديث كله بالحسن؛ لأنها إنما تشهد لأجزاء من الدعاء، بينما محل التفرد الذي يترتب عليه حكم تعبدي مستقل هو قوله ﷺ لفاطمة: «أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت»، وهذا لم نجد له طريقًا معتبرًا سوى طريق عثمان بن موهب.
فالحديث يدور على عثمان بن موهب الهاشمي، عن أنس، وقد انفرد بالرواية عن عثمان زيد بن الحباب، وانفرد عثمان بهذا السياق عن أنس كما نص البزار. والمحفوظ في اسم الراوي «عثمان بن موهب»، وأما «عثمان بن عبد الله بن موهب» عند الحاكم فمخالفة لرواية الجماعة، وأما «عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب» فمن طريق أبي هشام الرفاعي الضعيف، فلا يثبت واحد من الوجهين المخالفين. وعثمان لم يوثقه متقدم توثيقًا يحتمل معه التفرد، وإنما قال أبو حاتم: «صالح الحديث»، وهي عنده مرتبة اعتبار، لا مرتبة احتجاج عند التفرد. والشواهد الموجودة تثبت أصل بعض ألفاظ الدعاء، ولا تثبت تخصيصه بالصباح والمساء. فالراجح أن الحديث بهذا السياق مرفوع ضعيف، وضعفه يسير من جهة عثمان، وليس شديد الضعف، وأما أصل الدعاء فثابت من أحاديث أخرى، دون قيد الصباح والمساء.
وهذا يفسر اختلاف المحدثين فيه: فمن حمل قول أبي حاتم «صالح الحديث» على القبول وحسن حال عثمان حسنه، ومن التزم اصطلاح أبي حاتم في أن هذه المرتبة للاعتبار، ونظر إلى تفرد عثمان وعدم وجود متابع للقيد، ضعفه. وعلى منهج «ديوان الحديث» الذي لا يرفع تفرد من مرتبته الاعتبار لمجرد صحة أصل بعض الألفاظ، فالتضعيف أرجح.
المصادر والمراجع
1السنن الكبرى للنسائي (9/ 212 رقم 10330 ت حسن عبد المنعم شلبي)
2البحر الزخار (13/ 49 رقم 6368 ط مكتبة العلوم والحكم)
3شعب الإيمان (2/ 212 رقم 746 ط الرشد)
4الأحاديث المختارة (6/ 300 رقم 2319 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
5البحر الزخار (13/ 49 رقم 6368 ط مكتبة العلوم والحكم)
6المستدرك على الصحيحين (3/ 97 رقم 2026 ط التأصيل)
7تهذيب الكمال (19/ 499 ت بشار)
8الكامل في ضعفاء الرجال (4/ 328 ط دار الفكر)
9تهذيب الكمال (19/ 499 ت بشار)
10الجرح والتعديل (6/ 169 رقم 920 ط دائرة المعارف العثمانية)
11الجرح والتعديل (2/ 37 ط دائرة المعارف العثمانية)
12ميزان الاعتدال (3/ 58 ط دار المعرفة)
13المعجم الأوسط (4/ 43 رقم 3565 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
14المعجم الصغير (1/ 270 رقم 444)
15الدعاء (ص319 رقم 1046)
16المعجم الأوسط (4/ 43 رقم 3565 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
17مجمع الزوائد (10/ 183 ت حسام الدين القدسي)
18سنن أبي داود (4/ 324 رقم 5090 ت محيي الدين عبد الحميد)
19سنن الترمذي (5/ 539 رقم 3524 ت بشار)
شرح الحديث
(مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ) أي يحث النبي ﷺ فاطمة رضي الله عنها على حفظ هذه الوصية والعناية بها، غير أن ثبوت هذا السياق عنه ﷺ فيه ضعف كما تقدم. (أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ) هذا هو اللفظ الذي انفرد به الطريق المبحوث، ولم نقف له على شاهد معتبر، فلا يثبت به تخصيص هذا الدعاء بالصباح والمساء على أنه سنة مقيدة. (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ) الحي هو ذو الحياة الكاملة التي لا يلحقها نقص ولا فناء، والقيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره. (بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ) أي أطلب غوثك ومعونتك متوسلًا إليك برحمتك. (أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ) أي أصلح جميع أمري في ديني ودنياي وآخرتي، وهذه الجملة ثابتة في حديث أبي بكرة. (وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) أي لا تتركني إلى حولي وقوتي ولو زمنًا يسيرًا، بل وفقني وأعني في جميع أمري.