تخريج حديث 1858: «جَعَلَ اللهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي…»
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
جَعَلَ اللهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرَّبْعَةِ.”
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
جَعَلَ اللهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرَّبْعَةِ.”
قال المناوي: «ابن لال، وكذا الديلمي، عن عائشة، بإسناد ضعيف».1 وضعفه الألباني.2 وقال في موضع آخر: «وهذا إسناد ضعيف».3 وأعل البيهقي الخبر الطويل الذي وردت فيه هذه الجملة بصُبيح بن عبد الله الفرغاني فقال: «ليس بالمعروف»، ثم قال عن الخبر: إنه يوافق في الجملة الأحاديث الصحيحة والمشهورة، «فرويناه والاعتماد على ما مضى».4 وقال ابن كثير في صبيح في هذا الخبر: «وهو ضعيف».5 وذكر العراقي أن في إسناده صبيح بن عبد الله الفرغاني، ونقل فيه أنه منكر الحديث.6
رواه ابن لال في «مكارم الأخلاق» كما حفظ إسناده ابن حجر في «زهر الفردوس»، من طريق محمد بن الحسين الزعفراني، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن زهير بن حرب، عن صُبيح بن عبد الله الفرغاني، عن عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، عن جعفر بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، مرفوعًا: «جَعَلَ اللهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرَّبْعَةِ».1
ورواه أبو نعيم ضمن حديث طويل في صفة النبي ﷺ،2 من طريق سليمان بن أحمد الطبراني، عن محمد بن عبدة المصيصي، عن صُبيح بن عبد الله الفرغاني، عن عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، وجاء إسناده عنده: «عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة»، وفي أثناء الخبر: «وَنُسِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الرَّبْعَةِ، وَيَقُولُ ﷺ: جُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الرَّبْعَةِ».
ورواه البيهقي بهذا الحديث المطول،3 من طريق الحاكم، عن محمد بن يوسف المؤذن، عن محمد بن عمران النسوي، عن أحمد بن زهير ابن أبي خيثمة، عن صُبيح بن عبد الله، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، وجاء عنده كذلك: «عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة»؛ ثم نبه البيهقي بنفسه إلى ضعف الاعتماد على هذا الطريق فقال عن صبيح: «ليس بالمعروف»، وإن كان كثير من معاني الخبر المطول توافق أحاديث صحيحة مشهورة.4
ورواه ابن عساكر من طريق البيهقي بالسند نفسه،5 وفيه: «عن جعفر بن محمد عن أبيه، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة».
فمدار الخبر في جميع هذه الروايات على صُبيح بن عبد الله الفرغاني، وصُبيح مختلف فيه؛ قال أبو حاتم: «صدوق»،6 لكن قال عبد الغني بن سعيد المصري: «منكر الحديث»، وقال الخطيب: «صاحب مناكير».7 والبيهقي، وهو ممن روى هذا الخبر بعينه، قال فيه: «ليس بالمعروف»، ثم لم يعتمد على حديثه.8
وهذا التفصيل مهم؛ فمجرد قول أبي حاتم «صدوق» لا يلزم منه قبول هذا الخبر الطويل الغريب، ولا سيما مع تصريح الخطيب بأن لصبيح مناكير، وحكم عبد الغني عليه بالنكارة، وإعراض البيهقي عن الاعتماد على روايته هذه. والخبر طويل جدًا، جمع أوصافًا كثيرة للنبي ﷺ، وبعضها ثابت من طرق صحيحة، وبعضها لا يثبت.
ويضاف إلى ذلك اختلاف المصادر في تركيب السند بعد عبد العزيز بن عبد الصمد؛ فرواية ابن لال المحفوظة في «زهر الفردوس» جعلته: «عن جعفر بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه»، بينما رواية البيهقي وأبي نعيم المطولة فيها: «عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وهشام بن عروة، عن أبيه». وهذا اختلاف ينبغي إثباته ولا يصح طمسه. وقد حمل الألباني رواية ابن لال على أن جعفر بن محمد المذكور هو جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير، وقال فيه البخاري: «لا يتابع على حديثه»، وقال الأزدي: «منكر الحديث»، ثم جعل هذا علة أخرى إلى جانب صبيح.9
لكن هذا التعيين ليس مقطوعًا به؛ لأن الرواية المطولة عند البيهقي وأبي نعيم توحي بتركيب آخر للسند، ولذلك فالعمدة في التضعيف ليست هذه الاحتمالية، وإنما صُبيح نفسه، وتفرده بهذا الخبر الغريب، ونقد البيهقي له في الحديث بعينه.
وأما أصل كون النبي ﷺ معتدل القامة فثابت صحيح؛ فقد ثبت عن البراء رضي الله عنه وصفه ﷺ بأنه «مَرْبُوعًا»، وثبت في الأخبار الصحيحة أنه لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير. لكن ذلك لا يشهد لخصوص قوله: «جعل الخير كله في الربعة»؛ لأن إثبات صفة للنبي ﷺ شيء، والحكم بأن «الخير كله» في أصحاب القامة المعتدلة شيء آخر يحتاج إلى سند يثبت هذا اللفظ بعينه.
فالحديث يدور على صُبيح بن عبد الله الفرغاني، وقد تفرد بخبر طويل غريب في صفة النبي ﷺ، وقال فيه الخطيب: «صاحب مناكير»، وقال عبد الغني: «منكر الحديث»، وأعل البيهقي هذه الرواية بعينها به، ولم يعتمد عليها.
(جَعَلَ اللهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرَّبْعَةِ) الرَّبْعَة بفتح الراء وسكون الباء: المتوسط في القامة، الذي ليس بالطويل ولا بالقصير. وليس المراد «الأربعة». والحديث لو ثبت لكان فيه مدح الاعتدال في القامة، لكنه لا يثبت بهذا اللفظ، فلا يصح أن يجعل قصر الإنسان أو طوله دليلًا شرعيًا على نقص الخير فيه.