تخريج حديث 1859: «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَدُسُّ فِي…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قال رسول الله ﷺ:
إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَدُسُّ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ الطِّينَ، مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قال رسول الله ﷺ:
إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَدُسُّ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ الطِّينَ، مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.”
قال الترمذي في الطريق من رواية علي بن زيد، عن يوسف بن مهران: «هذا حديث حسن»،1 وقال في طريق شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه».2 وأورده ابن حبان في «صحيحه»،3 وقال الحاكم في طريق النضر بن شميل، عن شعبة، عن عدي بن ثابت: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».4 وصححه الألباني،5 ومحمد جار الله الصعدي.6
لكن قال الحاكم :«أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس».7 وحكم عليه بالنكارة عبد الله بن الصديق الغماري،8 ورجح وقفه عبد الله السعد،9 ومحققو المسند.10
رواه أبو داود الطيالسي،1 وأحمد،2 والترمذي،3 والنسائي،4 وابن حبان،5 والطبري،6 من طرق عن شعبة بن الحجاج، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
لكن رواية شعبة هذه لم تتفق على الرفع؛ فقد رواها محمد بن جعفر غندر عنه، عن عدي وعطاء، فقال شعبة: «يرفعه أحدهما إلى النبي ﷺ»، ولم يسم أيهما الذي رفعه، والآخر على هذا لم يرفعه.7 ورواه محمد بن المثنى عن غندر بهذا اللفظ عند الطبري.8 وكذلك رواه خالد بن الحارث عن شعبة فقال: «ذكر أحدهما عن النبي ﷺ».9 فشعبة نفسه كان يحمل الخبر عن شيخين، أحدهما يرفعه والآخر يقفه، وهذه علة ظاهرة في نسبة الخبر إلى النبي ﷺ، وإن كان رجال الإسناد ثقات.
ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن عدي وعطاء، عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعًا من غير ذكر الشك، ولفظه: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِي فِرْعَوْنَ، مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ».10 غير أن رواية الطيالسي لا تزيل الاختلاف المحفوظ عن شعبة، ولا سيما مع ثبوت الوقف عنه من طرق أخرى.
ورواه النضر بن شميل عن شعبة، عن عدي بن ثابت وحده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، واختلف على النضر نفسه؛ فرواه إسحاق بن راهويه وحميد بن زنجويه عنه مرفوعًا، بينما رواه محمد بن رجاء بن السندي عن النضر موقوفًا على ابن عباس بلفظ: «جَعَلَ جِبْرِيلُ يَدُسُّ الطِّينَ فِي فِي فِرْعَوْنَ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». وقد نص الخطيب بعد إخراجه على هذا الاختلاف فقال: «كذا رواه لنا ابن بشران موقوفًا، ورواه إسحاق بن راهويه وحميد بن زنجويه كلاهما عن النضر بن شميل فرفعاه إلى النبي ﷺ، ورواه وكيع عن شعبة موقوفًا».11
وهذا الاختلاف مهم جدًا؛ لأنه يدل على أن المسألة ليست مجرد أن عطاء كان يقفه وعديًا يرفعه؛ بل وقع الاختلاف في حديث عدي نفسه: فرواه وكيع عن شعبة، عن عدي، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفًا: «أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَحْشُو فِي فِيهِ التُّرَابَ خَشْيَةَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ».12 ورواه محمد بن رجاء، عن النضر، عن شعبة، عن عدي موقوفًا كذلك كما تقدم. وطريق وكيع عن شعبة طريق صحيح لا مطعن في رجاله.
ولهذا كان تنبيه الحاكم دقيقًا حين قال بعد تصحيح الوجه المرفوع: «إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس». وهذه العبارة من الحاكم نفسه قرينة علة لا ينبغي إهدارها؛ لأنه مع تصحيحه ظاهر الإسناد نقل أن الأكثر عن شعبة على الوقف.
ورواه ابن الأعرابي من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة، عن عطاء بن السائب وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، «رفعه أحدهما ولم يرفعه الآخر».13 وهذا يؤكد أن رواية شعبة لم تكن مستقرة على الرفع المطلق، وإن اختلفت تسمية الشيخ الثاني في بعض الطرق.
أما احتمال من احتمل أن شعبة قد وهم في أصل الإسناد، وأن أصل الخبر من نسخة علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، ثم وقع له الوهم فجعله من حديث عدي وعطاء عن سعيد. واستأنس بأن شعبة نفسه قد وهم في اسم يوسف بن مهران في خبر آخر، وبأن يوسف كان صاحب كتب وروى أخبارًا من هذا الجنس. وهذا احتمال لا يظهر لي أنه بلغ درجة الدليل الذي يُجزم به؛ فلا حاجة إلى نسبة الوهم إلى شعبة في أصل السند، فإن اختلاف الرفع والوقف الثابت عنه كافٍ في إعلال المرفوع، وأما دعوى أن أصل الخبر انتقل من إسناد إلى إسناد فتبقى احتمالًا لا تثبت به علة بعينها.
وأما الطريق الثاني، فرواه أبو داود الطيالسي،14 وأحمد،15 وعبد بن حميد،16 والترمذي،17 والطبري،18 من طرق عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، مرفوعًا، وفيه: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ».
وهذا الطريق ضعيف؛ فعلي بن زيد بن جدعان ضعيف الحفظ، قال أحمد: «ضعيف الحديث»، وقال أبو حاتم: «ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به»، وضعفه النسائي، وقد عرف عنه رفع ما يوقفه غيره. وأما يوسف بن مهران فقد قال أحمد: «لا يعرف، ولا أعرف أحدًا روى عنه إلا علي بن زيد»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ويذاكر به»، وإن وثقه أبو زرعة وابن سعد. فهذه الطريق لا تنهض مستقلة لتصحيح المرفوع، ولا تصلح لدفع علة الرفع والوقف في الطريق الأقوى عن شعبة.
وروي عن ابن عباس من طريق آخر: رواه الطبري من طريق أبي خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وفيه أن جبريل حشا فمه الحمأة مخافة أن تدركه الرحمة.19 وعمر بن عبد الله بن يعلى شديد الضعف؛ قال أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي: «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم أيضًا: «متروك الحديث»، فلا يصلح طريقه للاعتبار.20
وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا؛ رواه الطبري من طريق حكام، عن عنبسة، عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.21 وكثير بن زاذان مجهول؛ قال ابن معين: «لا أعرفه»، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: «شيخ مجهول».22 فهذه الطريق ضعيفة، ولا تصلح لترجيح الرفع على الوقف في حديث ابن عباس.
وروي أصل القصة مرسلًا عن بعض التابعين؛ فروى الطبري عن ميمون بن مهران أنه قال في قول فرعون: «أخذ جبريل من حمأة البحر فضرب بها فاه... مخافة أن تدركه رحمة الله»، وفي الإسناد إليه مبهم.23 وروى عن إبراهيم التيمي أنه ذكر نحو القصة مرسلًا.24 وهذه المراسيل لا تثبت رفع الحديث، وإنما تدل على أن أصل القصة كان متداولًا في أخبار التفسير عند بعض السلف.
وقد استدل عبد الله بن الصديق الغماري بنكارة المتن على ترجيح الوقف، ثم جزم بأنه مأخوذ من الإسرائيليات. والذي يظهر أن ترجيح الوقف له مستند إسنادي قوي مستقل عن نقد المتن.
فالحديث له أصل صحيح إلى ابن عباس موقوفًا؛ فقد رواه وكيع عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه محمد بن رجاء عن النضر بن شميل، عن شعبة، عن عدي، موقوفًا، وهذه أسانيد صحيحة. وأما رفعه فقد اضطرب فيه أصحاب شعبة: فبعضهم رواه مرفوعًا، وبعضهم موقوفًا، وفي رواية الجماعة عن شعبة صرح بأن أحد شيخي شعبة رفعه والآخر لم يرفعه، ونص الحاكم نفسه على أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه. والطريق المرفوع الآخر عن علي بن زيد بن جدعان ضعيف، فلا يصلح لدفع هذه العلة، وكذلك سائر الشواهد لا تخلو من ضعف شديد أو جهالة. فالراجح على طريقة أهل العلل: أن المرفوع معلول لا يثبت، وأن المحفوظ عن ابن عباس موقوف صحيح.
(إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَدُسُّ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ الطِّينَ) أي يضع في فمه من حمأة البحر وطينه، والـ«حال» الوارد في الروايات هو الطين الأسود والحمأة. وهذا ثابت عن ابن عباس موقوفًا، ولا يثبت رفعه إلى النبي ﷺ على الراجح. (مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) جاء في بعض الروايات: «مخافة أن تدركه الرحمة»، وهذه الجملة من تمام الخبر المختلف في رفعه. وأما الثابت قطعًا في القرآن فهو أن فرعون نطق بكلمة الإيمان عند إدراك الغرق، وأن هذه الكلمة لم تنفعه؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾1 فعدم انتفاع فرعون بإيمانه ثابت بالقرآن، ولا يتوقف على صحة خبر دس الطين.