أورده ابن حبان في «صحيحه».1 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» وقال المنذري: «رواته محتج بهم في الصحيح».2 وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح».3 وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح».4 وصححه الألباني،5 وحسنه الوادعي.6
رواه أحمد،1 والحاكم،2 والبيهقي،3 من طريق محمد بن بكر البُرساني، عن جعفر بن برقان، قال: سمعت يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ أحمد: «ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم العمد»، وعند الحاكم: «التعمد» مكان «العمد».
ورواه ابن حبان،4 من طريق خالد بن حَيّان الرقي، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة مرفوعًا.
ورواه البزار،5 من طريق محمد بن المثنى، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة مرفوعًا مطولًا: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، والله ما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم العمد، وما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر».
ورواه أبو نعيم الأصبهاني،6 من طريق الحارث بن أبي أسامة، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة «يرفعه إلى النبي ﷺ» بنحو رواية البزار.
لكن رواية كثير بن هشام نفسها وقع فيها اختلاف في الرفع؛ فقد رواها أحمد عنه فقال: حدثنا كثير، حدثنا جعفر، قال: سمعت يزيد بن الأصم يقول: «قال أبو هريرة: حديث لا أحسبه إلا رفعه إلى النبي ﷺ».7 فهذه الرواية عن كثير لم تجزم بالرفع، بخلاف رواية محمد بن المثنى والحارث بن أبي أسامة عنه، وهذا التردد قرينة مهمة في تحرير الاختلاف.
وخالف هؤلاء أبو نعيم الفضل بن دُكين؛ فرواه عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة موقوفًا. وقد حكى أبو حاتم هذا الوجه صريحًا، ثم سئل عن رواية الجزريين الذين «يسندون هذه الأحاديث» أي يرفعونها، فقال: «نعم»، فلما قيل له: «فأيهما أصح؟» قال: «كما يقول أبو نعيم».8
ويؤكد صحة نقل أبي حاتم عن أبي نعيم أن إسحاق بن راهويه روى من طريق أبي نعيم المُلائي -وهو الفضل بن دكين-، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قوله: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» موقوفًا.9 فهذا شاهد مباشر على أن أبا نعيم كان يوقف أحاديث هذا السياق عن جعفر، كما حكاه أبو حاتم.
فالحديث يدور على جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، وليس موضع العلة ضعف جعفر في يزيد؛ بل جعفر قوي في حديث يزيد بن الأصم خاصة. قال أحمد: «جعفر بن برقان ثقة ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه»، وقال يحيى بن معين: «ثقة» وإنما ضعف روايته عن الزهري، وقال الدارقطني: «فأما حديثه عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصم فثابت صحيح».10 فالعلة هنا ليست في عدالة جعفر ولا في أصل روايته عن يزيد، وإنما في الاختلاف عليه: هل حفظ الخبر مرفوعًا أم موقوفًا؟.
وقد رفعه عن جعفر محمد بن بكر البُرساني، وهو صدوق وثقه جماعة، لكن قال أبو حاتم: «شيخ محله الصدق»، وقال أحمد: «صالح الحديث»، ولينه النسائي.11 ورفعه خالد بن حيان، وهو ممن روى عن جعفر، إلا أن أحمد قال فيه: «لم يكن به بأس، كان يروي عن جعفر بن برقان غرائب، كتبنا عنه غرائب».12 وأما كثير بن هشام فهو ثقة ومن أروى الناس عن جعفر بن برقان، حتى قال العجلي: «من أروى الناس لجعفر بن برقان ألف ومائة حديث»،13 إلا أن روايته نفسها جاءت عند أحمد بالتردد: «لا أحسبه إلا رفعه»، فلا تكون دلالتها على الرفع كدلالة الرواية المجزوم بها.
وأبو نعيم الفضل بن دكين إمام حافظ متقن؛ قال أحمد: «أبو نعيم أقل خطأ من وكيع»، وقال يحيى بن معين: «ما رأيت أثبت من رجلين: أبي نعيم وعفان»، وقال أبو حاتم: «ثقة... وكان حافظًا متقنًا».14 فإذا انضم إلى حفظ أبي نعيم أن أبا حاتم وقف على الوجهين، وعلم أن الجزريين يرفعونه، ثم تعمد ترجيح روايته الموقوفة، قوي الحكم بالوقف، ولا يكفي ظاهر صحة رجال المرفوع لدفع هذه العلة.
وأما قول الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، وتصحيح من جاء بعده، فمبناه ظاهر الإسناد؛ إذ رجاله في الجملة ثقات، لكن صحة ظاهر السند لا تمنع وجود علة في رفع الحديث، وقد كشفها أبو حاتم بالموازنة بين أصحاب جعفر. وهذا من المواضع التي يظهر فيها الفرق بين قولنا: «رجاله ثقات» وبين الحكم على الحديث نفسه بالصحة.
ولا يعارض ذلك ثبوت بعض ألفاظ السياق مرفوعة من طرق أخرى؛ فجملة «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» صحيحة ثابتة عن أبي هريرة رضي الله عنه من غير طريق جعفر؛ أخرجها البخاري،15 ومسلم.16 كما أن أصل قوله ﷺ: «مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ» ثابت صحيح من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه في قصة مال البحرين، وفيه: «فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ».17 فهذا يشهد لأصل معنى الخوف من سعة الدنيا والتنافس فيها، ولا يثبت به اللفظ الخاص: «وَمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْخَطَأَ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْعَمْدَ».
فخلاصة العلة أن الرفع عن جعفر بن برقان جاء من طرق ظواهرها الصحة، ولهذا صححه عدد من المتأخرين، لكن أبا نعيم وقفه، ووقع في رواية كثير بن هشام تردد صريح في الرفع، ثم جاء حكم أبي حاتم بعد معرفته بالوجهين قاطعًا في الترجيح فقال إن رواية أبي نعيم أصح. وهذه قرائن حديثية تتعلق بحفظ نفس الخبر لا بمجرد حال رجاله، وهي أخص من التصحيح المبني على ظاهر الإسناد؛ ولذلك فالراجح أن رفع هذا السياق من طريق جعفر بن برقان معلول، والمحفوظ عنه الوقف على أبي هريرة.
وأما جملة «ما الفقر أخشى عليكم» فمعناها وأصلها ثابتان مرفوعين من حديث عمرو بن عوف، وأما جملة «ما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم العمد» فلم يظهر لها طريق مرفوع مستقل صحيح يزيل علة هذا الطريق.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (13/440 رقم 8074 ط الرسالة)
2المستدرك على الصحيحين (2/582 رقم 3970)
3شعب الإيمان (12/525 رقم 9832 ط الرشد)
4صحيح ابن حبان (8/16 رقم 3222 ت شعيب الأرناؤوط)
5مسند البزار (16/222 رقم 9376)
6حلية الأولياء (4/99)
7مسند أحمد (16/562 رقم 10958 ط الرسالة)
8علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم 1898)
9مسند إسحاق بن راهويه (رقم 283)
10تهذيب الكمال (5/13-18 ت بشار)
11تهذيب الكمال (24/530-532 ت بشار)
12تاريخ بغداد (8/292-294)
13تهذيب الكمال، ترجمة كثير بن هشام
14تهذيب الكمال في أسماء الرجال (23/ 209)
15صحيح البخاري (8/95 رقم 6446 ط السلطانية)
16صحيح مسلم (2/726 رقم 1051 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
17صحيح البخاري (8/90 رقم 6425 ط السلطانية)
شرح الحديث
(مَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ) ليس المراد أن الفقر لا يفتن، وإنما أن النبي ﷺ خشي على أمته فتنة أخرى أشد انتشارًا بعد فتح الدنيا عليهم (وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ التَّكَاثُرَ) أي التنافس في الاستكثار من المال والدنيا، حتى يصير جمعها ومغالبة الناس فيها شاغلًا عن الآخرة (وَمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْخَطَأَ) أي أن يقع منكم الذنب من غير قصد؛ لأن شأن الخطأ أخف، وقد جاءت الشريعة بالعفو عنه في الجملة (وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْعَمْدَ) أي تعمد مخالفة أمر الله مع العلم والقصد؛ فموطن الخوف ليس زلة العبد التي لم يقصدها، وإنما أن يعرف الحق ثم يتعمد العدول عنه.