تخريج حديث 1861: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ…»
عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قال:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي فَقَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالَثُهُمَا الشَّيْطَانُ.”
عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قال:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي فَقَالَ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالَثُهُمَا الشَّيْطَانُ.”
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه»، وقال: «وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي ﷺ».1 وأورده ابن حبان في «صحيحه» من حديث عمر بأكثر من طريق.2 وقال ابن عبد البر بعد أن ذكر حديث عمر في النهي عن الخلوة، وحديث ابن عباس وغيره: «وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك».3
لكن أعل البخاري طريق محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر؛ فقال في رواية ابن الهاد عن عبد الله بن دينار، عن الزهري، عن عمر: «وحديث ابن الهاد أصح، وهو مرسل؛ بإرساله أصح».4 وقال أبو حاتم في طريق ابن المبارك عن محمد بن سوقة: «أفسد ابن الهاد هذا الحديث وبين عورته... وهذا هو الصحيح».5 وقال أبو زرعة: «الحديث حديث الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن الزهري: أن عمر قام بالجابية».6 وكذلك رجح الدارقطني هذا الوجه المرسل.7
وأعل الدارقطني أيضًا الطريق الآخر المشهور عن عبد الملك بن عمير؛ لما وقع على عبد الملك من اختلاف شديد في تسمية الواسطة بينه وبين عمر، وقال بعد ذكر وجوه كثيرة: «ويشبه أن يكون الاضطراب في هذا الإسناد من عبد الملك بن عمير؛ لكثرة اختلاف الثقات عنه في الإسناد».8
رواه أحمد،1 والترمذي،2 والنسائي في «الكبرى»،3 وابن حبان،4 والحاكم،5 من طرق عن محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنه، أن عمر خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم، فذكر الحديث، وفيه: «أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ».
وقد رواه عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد ثلاثة: النضر بن إسماعيل؛ عند الترمذي،6 والنسائي،7 والحاكم،8 وعبد الله بن المبارك؛ عند أحمد،9 وابن حبان،10 والحاكم،11 والحسن بن صالح؛ عند الحاكم.12
وظاهر هذا الإسناد الصحة، ومحمد بن سوقة وعبد الله بن دينار وابن عمر ثقات، ولهذا حسنه وصححه من نظر إلى ظاهره. إلا أن أئمة العلل كشفوا فيه اختلافًا مؤثرًا؛ فقد رواه يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن محمد بن مسلم الزهري: أن عمر خطب الناس بالجابية، مرسلًا بين الزهري وعمر. وهذا الوجه هو الذي رجحه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني. فقال البخاري: «حديث ابن الهاد أصح، وهو مرسل؛ بإرساله أصح»13 وقال أبو حاتم: «أفسد ابن الهاد هذا الحديث وبين عورته... وهذا هو الصحيح»14 وقال الدارقطني: «والصحيح من ذلك رواية يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن الزهري: أن عمر».15
فطريق محمد بن سوقة لا يصح الاحتجاج به وحده مرفوعًا متصلًا؛ لأن المحفوظ عند هؤلاء الأئمة عن عبد الله بن دينار هو الوجه المرسل.
وقع على عبد الملك بن عمير اختلاف كثير في إسناده؛ فرواه جرير بن حازم وجرير بن عبد الحميد وقرة بن خالد وغيرهم عنه، عن جابر بن سمرة، عن عمر. ورواه معمر ويونس بن أبي إسحاق وأبو عوانة والحسين بن واقد وجماعة عنه، عن عبد الله بن الزبير، عن عمر. وقد جاء في بعض هذه الطرق تصريح عبد الملك بالسماع من ابن الزبير، وتصريح ابن الزبير بالسماع من عمر؛ ففي رواية النسائي: «حدثنا عبد الملك بن عمير قال: سمعت ابن الزبير يقول: سمعت عمر بن الخطاب...».16
وروي عن عبد الملك أيضًا: عن رجل، عن ابن الزبير، وعن قبيصة بن جابر، عن عمر، وعن رجاء بن حيوة، عن عمر، وعن ربعي بن حراش، عن عمر، وغير ذلك. ولهذا لم يرجح الدارقطني وجه جابر بن سمرة ولا وجه ابن الزبير، بل قال: «ويشبه أن يكون الاضطراب في هذا الإسناد من عبد الملك بن عمير؛ لكثرة اختلاف الثقات عنه في الإسناد».17
ومع ذلك فهذا الاختلاف في تعيين الواسطة لا يهدر أصل الخبر كله؛ فإن جماعات من الثقات رووا أصل خطبة عمر عن عبد الملك، واتفقوا على ألفاظ الحديث العامة، ومنها النهي عن الخلوة وكون الشيطان ثالث الرجل والمرأة، فالاضطراب يضعف الاحتجاج بإسناد بعينه، لكنه لا يجعل أصل المتن منكرًا.
وروي أيضًا عن زر بن حُبيش، عن عمر؛ رواه الطبراني وأبو نعيم من طريق سعيد بن يحيى الأموي، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عمر مرفوعًا، وفيه: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ».18 وقال أبو نعيم: «هذا حديث غريب من حديث زر عن عمر».19 لكن هذا الطريق أيضًا وقع فيه اختلاف؛ فقد رجح الدارقطني أن غير سعيد بن يحيى رواه عن أبي بكر بن عياش عن عاصم مرسلًا عن عمر.20 فلا يكون عمدة مستقلة في التصحيح.
وله شاهد مستقل من حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه؛ رواه البزار،21 والروياني،22 وغيرهما من طريق شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، مرفوعًا: «أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ...».23 وعاصم بن عبيد الله ضعيف، لكنه لم يتهم بالكذب، وقال ابن عدي: «هو مع ضعفه يكتب حديثه».24 فهذا طريق ضعيف يصلح للاعتبار ولا يستقل بالحجة.
وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ رواه أحمد من طريق يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ».25 وهذا الطريق ضعيف؛ لسوء حفظ ابن لهيعة، وفيه عنعنة أبي الزبير، لكنه شاهد مستقل في أصل اللفظ.26
وثبت أصل النهي عن الخلوة بأصح إسناد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».27 ورواه مسلم بلفظ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».28 فهذا شاهد صحيح لأصل النهي عن الخلوة، لكنه لا يستقل بإثبات زيادة «فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ».
فخلاصة التخريج أن أشهر طريق الحديث عن عمر، وهو طريق محمد بن سوقة عن عبد الله بن دينار، معلول عند البخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والدارقطني، والمحفوظ عندهم فيه الإرسال. والطريق الآخر عن عبد الملك بن عمير أصله مشهور، لكن وقع فيه اضطراب شديد في تعيين من بين عبد الملك وعمر، وقد صرح الدارقطني بذلك. ولا يصح لذلك أن يقال: إن واحدًا من هذين الإسنادين صحيح سالم من العلة.
لكن لفظ «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» لم ينفرد به هذان الطريقان؛ بل جاء من حديث عامر بن ربيعة بطريق ضعيف صالح للاعتبار، ومن حديث جابر بطريق ضعيف كذلك، مع ثبوت أصل النهي عن الخلوة بأحاديث صحيحة لا مطعن فيها. فهذه الطرق، مع تعدد مخارجها واختلاف عللها، تقوي هذا القدر من المتن، والراجح أن اللفظة مرفوعة حسنة لغيرها، وإن لم يصح الإسناد المشهور عن عمر على طريقة أئمة العلل.
(إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي) يخبر عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قام في الناس مقام الواعظ والمعلّم، كما قام عمر يخطب فيهم وينقل لهم وصيته (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ) لا ينفرد رجل بامرأة أجنبية عنه في مكان يأمنان فيه اطلاع الناس عليهما، لأن الخلوة باب فتنة، ولو ظن كل واحد منهما السلامة من نفسه (فَإِنَّ ثَالَثُهُمَا الشَّيْطَانُ) يحضر الشيطان بينهما بالوسوسة والتزيين، فيبدأ الأمر بنظرة أو حديث ثم يجر إلى ما بعده، ولذلك سد الشرع الباب من أصله.