تخريج حديث 1863: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ…»
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ.”
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ.”
أصلح أبو داود طريقًا آخر،1 وأورده ابن حبان في «صحيحه»،2 وقال الهيثمي في شاهده من حديث أبي هريرة: «إسناد الطبراني حسن».3 وقال ابن حجر في حديث أبي هريرة: «حسن غريب».4 وقال الهيثمي في شاهد ابن عمر: «إسناده حسن».5 وحسن الألباني طريق أبي داود،6 وقال في جملة المصافحة: «صحيح بمجموع طرقه».7
لكن قال الترمذي في الطريق المشهور عن أنس: «هذا حديث غريب».8 وأعل أبو حاتم رواية زيد العمي عن أنس بالإرسال، وقال في زيد: «ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به»، وقال أبو زرعة: «ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيف».9 وقال ابن القيسراني في حديث أنس: «فيه عمران بن زيد العمي لا يحتج بحديثه».10 وأشار الذهبي إلى العلة نفسها فقال في عمران: قال ابن معين وأبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به».11 وقال شعيب الأرناؤوط في طريق أبي داود: «إسناده ضعيف»؛ لأن مبارك بن فضالة مدلس وقد عنعن.12 وقال الألباني في السياق المطول عند الترمذي: «ضعيف إلا جملة المصافحة فهي ثابتة».13
رواه الترمذي،1 من طريق سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن عمران بن زيد التغلبي، عن زيد العمي، عن أنس بن مالك، ولفظه: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ الَّذِي يَنْزِعُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُهُ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ»، ثم قال الترمذي: «هذا حديث غريب».2
ورواه ابن ماجه،3 من طريق وكيع، عن عمران بن زيد أبي يحيى الطويل، عن زيد العمي، عن أنس بنحوه، وفيه: «وَإِذَا صَافَحَهُ لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُهَا».4
ورواه البغوي،5 من طريق علي بن الجعد، عن عمران بن زيد التغلبي، عن زيد العمي، عن أنس، بهذا المعنى
ورواه البيهقي،6 من طريق أبي نعيم، عن عمران بن زيد أبي يحيى الملائي، عن زيد العمي، عن أنس، وفيه: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَافَحَ أَوْ صَافَحَهُ الرَّجُلُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ»
فهذه الطرق ترجع إلى عمران بن زيد، عن زيد العمي، عن أنس، وقد رواها عن عمران جماعة، منهم عبد الله بن المبارك، ووكيع، وعلي بن الجعد، وأبو نعيم، على إسقاط الواسطة بين زيد العمي وأنس.
وخالفهم يعمر بن بشر، فرواه عن عبد الله بن المبارك، عن عمران بن زيد، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن أنس، رواه البزار،7 ولفظه: «مَا رُئِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقَدِّمَ رُكْبَتِهِ بَيْنَ جَلِيسٍ لَهُ قَطُّ، وَلَا صَافَحَ رَجُلًا فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُهَا». ثم قال البزار: «وهذا الحديث رواه غير ابن المبارك عن عمران، عن زيد العمي، عن أنس ولم يذكر معاوية بن قرة».8
لكن زيادة معاوية بن قرة لا تثبت؛ فإن الرواية المحفوظة عن عمران من طريق جماعة من أصحابه بإسقاطه، بل رواه سويد بن نصر عن ابن المبارك نفسه عند الترمذي بإسقاط معاوية؛ فوقع الاختلاف أيضًا على ابن المبارك. ومع كثرة من روى عن عمران الوجه المباشر، لا يصح الاعتماد على الوجه الذي زيد فيه معاوية لتصحيح اتصال الإسناد.
وهذا مهم؛ لأن أبا حاتم نص في ترجمة زيد بن الحواري العمي فقال: «روى عن أنس، مرسل»، ثم قال فيه: «ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به»، وقال أبو زرعة: «ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيف».9 ونقل أبو زرعة ابن العراقي هذا النص، وقال عن رواية زيد عن أنس عند الترمذي وابن ماجه: إن أبا حاتم حكم عليها بالإرسال.10
فطريق عمران عن زيد العمي عن أنس فيه علتان ظاهرتان: ضعف زيد العمي، والانقطاع بينه وبين أنس على قول أبي حاتم. وفوق ذلك عمران بن زيد نفسه ليس ممن يحتج بتفرده؛ قال يحيى بن معين: «ليس يحتج بحديثه»، وقال أبو حاتم: «شيخ يكتب حديثه ليس بالقوي»، وإن وثقه علي بن المديني وذكره ابن حبان في الثقات.11
فطريق الترمذي وابن ماجه والبيهقي لا يصح وحده، ولا تفيد كثرة من رواه عن عمران تقوية مستقلة؛ لأن الجميع يدورون على عمران، عن زيد العمي، عن أنس.
لكن رويت جملة المصافحة عن أنس من طريق آخر؛ رواها أبو داود،12 وأبو يعلى،13 وابن حبان،14 والبيهقي،15 من طريق أبي قطن عمرو بن الهيثم، عن مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس، قال: «وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ».16
وهذا الطريق مستقل عن طريق زيد العمي، وأصلحه أبو داود بسكوته عنه، وأورده ابن حبان في «صحيحه»، إلا أن في إسناده مبارك بن فضالة، وهو صدوق يدلس، وقد عنعن عن ثابت؛ ولذلك ضعف شعيب الأرناؤوط إسناده لهذه العلة.17 فهذا الطريق لا يبلغ الصحة بنفسه، لكنه صالح قوي للاعتبار، ولا سيما أنه من طريق ثابت البناني عن أنس، وهو مخرج مستقل تمامًا عن زيد العمي.
وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ رواه الطبراني،18 والبزار،19 من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُهَا».20 وقال الهيثمي: «إسناد الطبراني حسن».21 وحكم ابن حجر عليه بأنه «حسن غريب».22 فهذا شاهد مباشر لنفس جملة المصافحة، لا لمجرد معناها العام.
وله شاهد آخر من حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ رواه الطبراني،23 وفيه: «فَصَافَحَهُ، فَلَمْ يَنْزِعِ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ مِنْ يَدِ الرَّجُلِ حَتَّى انْتَزَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ»، وقال الهيثمي: «إسناده حسن».24 إلا أن في إسناده ليث بن أبي سليم، وفي حفظه ضعف، وروح بن صلاح مختلف فيه.
فطريق أنس المشهور عند الترمذي ضعيف؛ لأن مداره على عمران بن زيد عن زيد العمي، وعمران لا يحتج به عند ابن معين، وزيد العمي ضعيف، وقد حكم أبو حاتم على روايته عن أنس بالإرسال. والطريق الذي أدخل معاوية بن قرة بين زيد وأنس غير محفوظ في مقابل رواية الجماعة، فلا يزول به الانقطاع.
لكن جملة المصافحة نفسها جاءت من طريق آخر مستقل عن أنس: مبارك بن فضالة، عن ثابت، عنه، وهو طريق ضعفه يسير يصلح للاعتبار، وجاءت من حديث أبي هريرة بإسناد حسنه الهيثمي وابن حجر، ومن حديث ابن عمر أيضًا. فهذه المخارج مستقلة، وتتفق على القدر نفسه: أن النبي ﷺ كان لا يكون أول من يسحب يده من المصافحة.
فالراجح أن جملة: «كان إذا صافح الرجل لا ينزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع» مرفوعة حسنة لغيرها.
(إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ) أي إذا لقيه الرجل وأخذ بيده على وجه المصافحة المشروعة بين الرجال. (لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ) أي لم يكن ﷺ يبادر إلى سحب يده وإنهاء المصافحة ما دام الرجل ممسكًا بها. (حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ) أي يترك للرجل أن يكون هو البادئ بإنهاء المصافحة، وهذا من تمام تواضعه ﷺ وحسن عشرته وإقباله على من لقيه، حتى لا يشعر مخاطبه بأنه استثقل لقاءه أو عجل في الانصراف عنه.