قال الدارقطني في أحد طرقه: «وهو إسناد متصل حسن، إلا أن ابن عقيل ليس بالقوي».1 وأورده الضياء في «المختارة»، ونقل كلام الدارقطني في طرقه، ثم قال في احتمال سماع محمد بن جبير من عثمان: «وإذا صح سماعه من عمر فلا يبعد سماعه من عثمان».2 وقال البوصيري: «وحديث عثمان بن عفان عن أبي بكر الصديق إسناده صحيح».3 وقال محققو المسند: «المرفوع منه صحيح بشواهده».4
لكن قال أبو زرعة في الطريق الذي فيه سعيد بن المسيب: «هذا خطأ فيما سمى سعيد بن المسيب، والحديث حديث عقيل ويونس ومن تابعهما، عن الزهري، قال: أخبرني من لا أتهم، عن رجل من الأنصار، عن عثمان؛ وافقهم صالح بن كيسان إلا أنه ترك من الإسناد رجلًا».5 وقال أبو حاتم في الطريق نفسه: «رواه عقيل، عن الزهري، قال: أخبرني رجل من الأنصار... فحديث عقيل أشبه».6 وقال البزار: «وإنما الحديث هو الأول، وأخطأ فيه عبد الله بن بشر، فذكره عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وإنما الصواب ما قال صالح عن الزهري: قال حدثني رجل من الأنصار».7 وقال العقيلي بعد أن ساق الطرق التي سمت سعيد بن المسيب: «وهذه أسانيد متقاربة في الضعف، خالفها الثقات من أصحاب الزهري»، ثم قال: «ورواية صالح بن كيسان، وشعيب، وعقيل أولى من رواية عبد الله بن بشر ومن تابعه».8 وقال الدارقطني في طريق محمد بن جبير: «محمد بن جبير لا يثبت سماعه من عثمان، فيكون حديثه هذا مرسلًا».9 وضعف أحمد شاكر إسناده،10 وضعفه الألباني،11 وضعف السناري طريق أبي يعلى،12 ورجح ضعفه كذلك العدوي مع بعض الباحثين.13
المصادر والمراجع
1علل الدارقطني (1/ 174 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
2الأحاديث المختارة (1/ 79 رقم 6 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
3إتحاف الخيرة المهرة (1/ 64)
4مسند أحمد (1/ 201 رقم 20 ط الرسالة)
5علل الحديث لابن أبي حاتم (5/ 265 رقم 1970 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
6علل الحديث لابن أبي حاتم (5/ 242 رقم 1951 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
7البحر الزخار (1/ 209 رقم 4)
8الضعفاء الكبير (2/ 235-236 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
9علل الدارقطني (1/ 174 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
رواه أحمد،1 والبزار،2 والعقيلي،3 من طرق عن الزهري، عن رجل من الأنصار من أهل الفقه، عن عثمان بن عفان، عن أبي بكر رضي الله عنهما، مرفوعًا. ولفظ أحمد من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري مرفوعا.
ورواه البزار من طريق معمر، ومن طريق صالح بن كيسان، كلاهما عن الزهري، عن رجل من الأنصار، عن عثمان، عن أبي بكر، ثم قال: «هكذا رواه معمر وصالح بن كيسان، وقد تابعهما غير واحد على هذه الرواية، عن الزهري، عن رجل من الأنصار».4 وهذا نص من البزار في أن الوجه المبهم هو المحفوظ عن الزهري.
وجاء الوجه الآخر موصولًا بتسمية شيخ الزهري؛ فرواه أبو يعلى،5 والبيهقي،6 من طريق عبد السلام بن حرب، عن عبد الله بن بشر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، عن أبي بكر، مرفوعًا.
وهذا الوجه هو الذي قد يوهم سلامة الإسناد، ولذلك صححه البوصيري بالنظر إلى ظاهره، لكنه معلول عند أئمة العلل. فقد قال البزار بعد إخراجه: «وأخطأ فيه عبد الله بن بشر».7 وقال أبو زرعة صريحًا: «هذا خطأ فيما سمى سعيد بن المسيب».8 وقال أبو حاتم: «فحديث عقيل أشبه».9 وقال العقيلي عن هذه الطرق التي سمت سعيدًا: «أسانيد متقاربة في الضعف، خالفها الثقات من أصحاب الزهري».10 فتصحيح ظاهر إسناد أبي يعلى لا يقاوم اتفاق هؤلاء النقاد على أن تسمية سعيد بن المسيب وهم.
بل تحرير أبي زرعة يزيد العلة وضوحًا؛ فإنه لم يجعل المحفوظ عن الزهري: «عن رجل من الأنصار» فقط، وإنما قال: «أخبرني من لا أتهم، عن رجل من الأنصار، عن عثمان»، فجعل بين الزهري وعثمان رجلين مبهمين، ثم قال: «وافقهم صالح بن كيسان إلا أنه ترك من الإسناد رجلًا».11 وعليه فالرواية التي فيها مبهم واحد عند صالح وشعيب ليست عند أبي زرعة أتم وجوه الحديث، بل الأتم عنده رواية عقيل ويونس وفيها مبهمان. وهذا من أقوى ما يضعف الطريق؛ لأن العلة ليست مجرد تسمية راوٍ مجهول، بل اختلاف في عدد الوسائط أيضًا.
ولا يرفع هذا الإبهام وصف الزهري للرجل بأنه «من أهل الفقه غير متهم»؛ فإن نفي التهمة لا يساوي معرفة حاله في الحفظ والضبط، فضلًا عن أن رواية أبي زرعة المحفوظة عنده فيها رجل آخر مبهم قبله.
وروي الحديث من وجه آخر عن عثمان؛ رواه أحمد،12 من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي وسعيد بن سلمة، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحُويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، أن عثمان قال: تمنيت أن أكون سألت رسول الله ﷺ ماذا ينجينا مما يلقي الشيطان في أنفسنا؟. فقال أبو بكر: قد سألته، فقال: «يُنْجِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقُولُوا مَا أَمَرْتُ بِهِ عَمِّي أَنْ يَقُولَهُ فَلَمْ يَقُلْهُ». ورواه أبو يعلى مطولًا من الطريق نفسه.13
لكن الدارقطني أعل هذا الوجه أيضًا فقال: «محمد بن جبير لا يثبت سماعه من عثمان، فيكون حديثه هذا مرسلًا».14 فهذه الطريق تشهد لأصل القصة والمعنى، لكنها ليست إسنادًا متصلًا عند الدارقطني.
ورواه الدارقطني من وجه آخر متصل: من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أبان بن عثمان، عن عثمان، عن أبي بكر، وقال: «تفرد به زيد بن أبي أنيسة عن ابن عقيل، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أبي أنيسة غير أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، وهو إسناد متصل حسن إلا أن ابن عقيل ليس بالقوي».15 ونقله الضياء في «المختارة».16
وهذا أقوى ما يمكن أن يستند إليه من حسن الحديث؛ إلا أنه لا يخلو من علة، فإن عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وفي حديثه لين، وقد تفرد بهذا الوجه عن أبان، وتفرد زيد بن أبي أنيسة عنه، ثم لم يعرف عن زيد إلا من رواية خالد بن أبي يزيد. ولذلك لم يجزم الدارقطني بقوته، بل عقب وصف الاتصال والحسن مباشرة بقوله: «إلا أن ابن عقيل ليس بالقوي». ومع اجتماع التفرد فيه، وإرسال طريق محمد بن جبير، والإبهام في الوجه المحفوظ عن الزهري، لا يظهر أن هذا الطريق وحده يرفع القصة كلها إلى الثبوت.
ووردت طرق أخرى أشد ضعفًا؛ منها ما رواه العقيلي من أوجه عن الزهري فيها تسمية سعيد بن المسيب، وقد جمعها ثم قال: «وهذه أسانيد متقاربة في الضعف، خالفها الثقات من أصحاب الزهري».17 فلا تصلح هذه الطرق لتقوية الوجه الذي حكم النقاد أنفسهم بأنه خطأ.
وأما تصحيح البوصيري للحديث، وقول محققي المسند: «المرفوع منه صحيح بشواهده»، فوجهه ظاهر من تعدد المخارج وثبوت أصل معنى كلمة التوحيد، إلا أن منهج العلل يقتضي التفريق بين صحة المعنى وبين ثبوت هذه القصة بهذا السياق؛ فإن النقاد المتقدمين نصوا على خطأ أشهر أسانيدها المتصلة، وأعل الدارقطني الطريق الآخر بالإرسال، وبقي طريق ابن عقيل وفيه ما تقدم.
وأصل المعنى صحيح بلا ريب؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فامتنع أبو طالب من قولها. رواه البخاري،18 ومسلم.19 فهذا يثبت أن الكلمة التي عرضها النبي ﷺ على عمه هي «لا إله إلا الله»، وأن قبولها إيمانًا هو أصل النجاة، لكنه لا يصحح قصة سؤال عثمان لأبي بكر بهذا الإسناد.
فالحديث اختلف فيه على وجوه كثيرة، وأشهرها طريق الزهري. وقد حكم أبو زرعة وأبو حاتم والبزار والعقيلي بأن تسمية سعيد بن المسيب في إسناده خطأ، وأن المحفوظ الإبهام، بل رجح أبو زرعة وجهًا فيه رجلان مبهمان. وطريق محمد بن جبير أرسله الدارقطني لعدم ثبوت سماعه من عثمان. وأما الطريق المتصل من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل فهو أقوى الشواهد، إلا أنه فرد، وابن عقيل ليس بالقوي كما قال الدارقطني. فمع اجتماع هذه العلل لا يثبت هذا السياق مرفوعًا ثبوتًا يطمأن إليه، والراجح أنه مرفوع ضعيف. وأما معناه في أن كلمة التوحيد أصل النجاة فصحيح ثابت بأحاديث أخرى صحيحة.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (1/ 201 رقم 20 ط الرسالة)
2البحر الزخار (1/ 209 رقم 4)
3الضعفاء الكبير (2/ 236 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
4البحر الزخار (1/ 209 رقم 4)
5مسند أبي يعلى (1/ 39 رقم 9 ت سعيد السناري)
6شعب الإيمان (1/ 196 رقم 91 ط الرشد)
7البحر الزخار (1/ 209)
8علل الحديث لابن أبي حاتم (5/ 265 رقم 1970 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
9علل الحديث لابن أبي حاتم (5/ 242 رقم 1951 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
10الضعفاء الكبير (2/ 235 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
11علل الحديث لابن أبي حاتم (5/ 265 رقم 1970 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
12مسند أحمد (1/ 211 رقم 37 ط الرسالة)
13مسند أبي يعلى (1/ 121)
14علل الدارقطني (1/ 174 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
15علل الدارقطني (1/ 174 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
16الأحاديث المختارة (1/ 79 رقم 6 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
17الضعفاء الكبير (2/ 235 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
18صحيح البخاري (رقم 6681 ط السلطانية)
19صحيح مسلم (رقم 24 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
شرح الحديث
(مَا نَجَاةُ هَذَا الْأَمْرِ) أي ما الذي يكون به خلاص العبد وفوزه في أمر دينه وآخرته. (مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ) المراد كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله»، وقبولها ليس مجرد حركة اللسان بها، بل الإقرار بها والإيمان بما دلت عليه. (الَّتِي عَرَضْتُ عَلَى عَمِّي) أي أبا طالب، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال له عند موته: «قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». (فَرَدَّهَا عَلَيَّ) أي امتنع أبو طالب من قبول كلمة التوحيد، ومات على ملة عبد المطلب، كما ثبت في الصحيحين. (فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ) أي أن التوحيد والإيمان بالله أصل نجاة العبد من الخلود في النار ودخوله في الإسلام، وهذا المعنى ثابت بالأحاديث الصحيحة، وإن كان هذا السياق الخاص ضعيفًا.