تخريج حديث 1865: «الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ…»
يروى عن النبي ﷺ قوله:
الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ.”
يروى عن النبي ﷺ قوله:
الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ.”
قوّى السخاوي أصل وصف الصراط بمجموع طرقه، فقال بعد ذكر بلاغ أبي سعيد: إن التصريح برفعه ورد «من طرق متعددة، يقوي بعضها بعضًا»، ثم ساق طرق عبيد بن عمير وابن مسعود وأنس وأبي هريرة وعائشة وسلمان.1
لكن قال البيهقي بعد جمع طرق الباب: «هذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات الصحيحة»، وضعف رواية زياد النميري عن أنس، وذكر أن بعض معناه روي عن عبيد بن عمير مرسلًا ومن قوله.2 وقال ابن حجر في الطريق الموصول عن أنس: «وفي سنده لين»، وحكم على خبر الفضيل بن عياض بأنه «معضل لا يثبت»، وعلى بلاغ سعيد بن أبي هلال بأنه «مرسل أو معضل».3 وقال محققو المسند في طريق عائشة المرفوع: «إسناده ضعيف بهذه السياقة».4
أخرجه مسلم ضمن حديث أبي سعيد الخدري الطويل في الرؤية والشفاعة، من طريق الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ثم قال في آخره: «قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ».1 فليس اللفظ عند مسلم من كلام النبي ﷺ، بل هو بلاغ حكاه أبو سعيد على ظاهر رواية مسلم.
لكن رواه ابن منده من هذا الوجه نفسه: الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد، ثم وقع في آخره: «قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ».2 وقد نبه ابن حجر إلى هذا الاختلاف.3
وهذا اختلاف مؤثر؛ لأن رواية مسلم تجعل البلاغ لأبي سعيد الصحابي، ورواية ابن منده تجعله لسعيد بن أبي هلال، وهو من أتباع التابعين. وعلى كلا الوجهين فاللفظ ليس مسندًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وإنما غايته بلاغ لم يسم قائله.
والذي يقوي كون هذا اللفظ بلاغًا غير مرفوع أن أصل حديث أبي سعيد ثابت من طرق أخرى صحيحة وليس فيها هذا الوصف؛ فالحديث نفسه رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، ولم يذكر فيه «أدق من الشعرة وأحد من السيف»، وإنما الثابت مرفوعًا وصف الجسر بأنه «مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ»، عليه الخطاطيف والكلاليب والحسك.4
وروي اللفظ مرفوعًا من حديث أنس؛ رواه البيهقي،5 من طريق مكي بن إبراهيم، عن سعيد بن زَرْبي، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس بن مالك، في حديث طويل: «إِنَّ عَلَى جَهَنَّمَ جِسْرًا أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدَّ مِنَ السَّيْفِ...». وهذه الطريق شديدة الضعف؛ فيزيد الرقاشي ضعيف، مشهور بكثرة روايته عن أنس، ولا يحتمل مثل هذا التفرد، وفوقه سعيد بن زربي ضعيف كذلك. ولهذا عقب البيهقي بعد جمع هذه الأخبار بقوله: «هذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات الصحيحة».6 وقال ابن حجر عن هذه الطريق: «وفي سنده لين».7
وروي عن أنس أيضًا من طريق زياد بن عبد الله النميري، عنه مرفوعًا: «الصِّرَاطُ كَحَدِّ الشَّفْرَةِ أَوْ كَحَدِّ السَّيْفِ»، وصرح البيهقي بأنها «رواية ضعيفة».8
وروي من حديث عائشة رضي الله عنها؛ رواه أحمد،9 من طريق يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، مرفوعًا، وفيه: «وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ». وهذه طريق ضعيفة بابن لهيعة.
ومما يؤكد أن هذه الزيادة ليست محفوظة في حديث عائشة أن أصل الحديث روي عنها من غير طريق ابن لهيعة، كرواية أبي داود من طريق الحسن البصري عنها، وفيها ذكر الجسر وأهوال القيامة دون وصفه بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف.10 فلا يصح جعل أصل حديث عائشة شاهدًا للزيادة التي تفرد بها الطريق الضعيف.
وروي بعض معناه عن عبيد بن عمير؛ رواه ابن المبارك من طريق هشام بن حسان، عن موسى بن أنس، عن عبيد بن عمير، عن النبي ﷺ: «إِنَّ الصِّرَاطَ مِثْلُ السَّيْفِ...».11 وهو مرسل، وقد نص ابن حجر على إرساله.12 فهذا يصلح أن يذكر في الباب، لكنه لا يثبت اللفظ المبحوث مرفوعًا، ولا يشتمل على «أدق من الشعرة».
وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من قوله: «الصِّرَاطُ فِي سَوَاءِ جَهَنَّمَ مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ كَحَدِّ السَّيْفِ الْمُرْهَفِ»، وذكره البيهقي عقب تضعيف الروايات المرفوعة.13 وهذا موقوف، ويشهد لمعنى الحدة وحدها، لا لدقة الشعرة.
وجاء عن سعيد بن أبي هلال نفسه: «بَلَغَنَا أَنَّ الصِّرَاطَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْجِسْرُ، يَكُونُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ، وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِثْلَ الدَّارِ وَالْوَادِي الْوَاسِعِ»، وذكره البيهقي، ثم احتمل أن يكون وصف الدقة راجعًا إلى شدة المرور والسقوط عنه.14 وقال ابن حجر عن هذا الخبر: «وهو مرسل أو معضل».15 وهذا يقوي احتمال أن لفظ «بلغني أن الجسر أدق...» من بلاغات سعيد بن أبي هلال أصلًا، كما وقع صريحًا في رواية ابن منده، لا من كلام أبي سعيد الخدري.
وقد جمع السخاوي طرقًا أخرى فيها «كحد السيف» أو نحوها، من حديث أبي هريرة وعائشة وسلمان وغيرهم، ثم رأى أنها يقوي بعضها بعضًا.16 لكن النظر المفصل يدل على أن كثيرًا منها لا يحمل اللفظ كاملًا؛ فبعضها في «حدة السيف» وحدها، وبعضها مرسل أو موقوف، والطريق الذي جمع «أدق من الشعر» و«أحد من السيف» مرفوعًا يدور على رواة ضعفاء، كطريق أنس وطريق عائشة. فلا ينبغي جمع كل هذه الطرق تحت عنوان شاهد تام للفظ، ثم تحسينه بمجرد كثرتها.
بل إن البيهقي، بعد استيعاب طائفة من هذه الطرق، لم يرها كافية لإثباته مرفوعًا، فقال صراحة: «هذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات الصحيحة».17 وهذه عبارة نقدية مباشرة في نفس اللفظ، وهي أرجح عندي من تقوية المتأخرين له بمجرد اجتماع طرق متفاوتة لا يثبت كثير منها نفس اللفظ.
فاللفظ «الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف» لم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ بإسناد تقوم به الحجة. وأصح ما جاء فيه رواية مسلم على صورة بلاغ: «قال أبو سعيد: بلغني»، مع أن رواية ابن منده من الإسناد نفسه جعلت القائل: «سعيد بن أبي هلال: بلغني»، وهو اختلاف يزيد في عدم صحة نسبة اللفظ إلى النبي ﷺ. وأما الطرق المرفوعة؛ فطريق أنس ضعيف، وطريق عائشة ضعيف، والمراسيل والموقوفات إنما يثبت أكثرها معنى الحدة دون مجموع اللفظ. فالراجح: لا يثبت مرفوعًا، وإن كان أصل الصراط والجسر، وأنه مدحضة مزلة عليه الكلاليب والحسك، ثابتًا في الأحاديث الصحيحة.
(الْجِسْرَ) المراد به الصراط المضروب على جهنم يوم القيامة، وأصل إثباته ثابت في الأحاديث الصحيحة. (أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ) أي في غاية الدقة، لكن هذا الوصف بعينه لم يثبت مرفوعًا كما تقدم. (وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ) أي بالغ الحدة، وقد جاء معنى الحدة من عدة آثار وطرق، إلا أن نسبة هذا اللفظ المركب بعينه إلى النبي ﷺ لا تثبت. والثابت الصحيح في وصف الجسر أنه «مدحضة مزلة»، وعليه الخطاطيف والكلاليب والحسك، وأن الناس يمرون عليه بحسب أعمالهم.