تخريج حديث 1866: «مَنْ لَقِيَ اللهَ عز وجل…»
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ لَقِيَ اللهَ عز وجل لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَامٍ، دَخَلَ الْجَنَّةَ.”
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ لَقِيَ اللهَ عز وجل لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَامٍ، دَخَلَ الْجَنَّةَ.”
قال ابن الوزير: «سنده قوي».1 وصححه الألباني وقال: «إسناده صحيح».2 وقال محققو «المستدرك» : «حسن لغيره»، مع تصريحهم بأن إسناد طريق عقبة ضعيف للانقطاع.3
لكن قال البخاري في ترجمة عبد الرحمن بن عائذ: «وروى ابن أبي خالد عن عبد الرحمن بن عائذ، عن رجل، عن عقبة بن عامر».4 ونحو ذلك ذكر أبو حاتم؛ فذكر أنه روى «عن رجل عن عقبة بن عامر».5 وقال ابن عساكر عقب رواية الحديث: «المحفوظ من حديث إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن رجل لم يسم، عن عقبة».6 وقال البوصيري: «سنده فيه راو لم يسم».7 وقال الوادعي: «ظاهره الصحة، ولكن عبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من عقبة بن عامر».8
رواه ابن أبي شيبة 1 من طريق وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عقبة بن عامر، مرفوعًا.
ورواه أحمد،2 وابن ماجه،3 والطبراني،4 والحاكم،5 من طرق عن وكيع بن الجراح، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عقبة بن عامر، مرفوعًا.
ورواه أحمد6 من طريق يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الرحمن بن عائذ، قال: انطلق عقبة بن عامر إلى المسجد الأقصى، فذكر قصة، ثم قال عقبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَلْقَى اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَامٍ، إِلَّا دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ».
ورواه يعلى بن عبيد، ومحمد بن فضيل، وسعيد الأموي وغيرهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عقبة، على الوجه الظاهر المتصل، وروى ابن عساكر أحد هذه الأوجه ثم قال عقب روايته: «المحفوظ من حديث إسماعيل عن عبد الرحمن بن عائذ عن رجل لم يسم عن عقبة».7 وهذا نقد مهم؛ لأنه لا ينظر إلى ظاهر الطريق الذي أسقط الرجل، وإنما يحفظ الواسطة التي سقطت منه.
وقد سبق ابنَ عساكر إلى أصل هذه العلة البخاري؛ فقال في ترجمة عبد الرحمن بن عائذ: «وروى ابن أبي خالد عن عبد الرحمن بن عائذ: عن رجل عن عقبة بن عامر».8 وهذه العبارة في محل الحديث نفسه؛ لأن ابن أبي خالد هو إسماعيل بن أبي خالد، وهو مدار الخبر عن عبد الرحمن.
وكذلك ذكر أبو حاتم عبد الرحمن بن عائذ، وذكر من روايته: «عن رجل عن عقبة بن عامر».9 فاجتمع البخاري وأبو حاتم على إثبات واسطة بين عبد الرحمن وعقبة، ثم صرح ابن عساكر بأن هذا الوجه هو المحفوظ. وهذه قرينة أقوى من مجرد إمكان اللقاء؛ فالبحث في العلل لا يكتفي بإمكان المعاصرة إذا حفظ النقاد واسطة بعينها في الخبر.
وقد وقع اختلاف آخر على إسماعيل بن أبي خالد؛ فرواه الوليد بن القاسم عنه، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، مرفوعًا، ورواه بعضهم عن سفيان الثوري، عن إسماعيل، عن قيس، عن عقبة. وتكلم الدارقطني على هذا الاختلاف، فحكم على وجهي قيس بالوهم، وقال إن المحفوظ عن إسماعيل: عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عقبة بن عامر.10
لكن قول الدارقطني: «المحفوظ... عن عبد الرحمن بن عائذ عن عقبة» إنما يحرر الاختلاف على إسماعيل، فيرجح طريق عبد الرحمن على طريق قيس وجرير، ولا يلزم منه إثبات سماع عبد الرحمن من عقبة؛ لأن البخاري وأبا حاتم حفظا في طريق عبد الرحمن نفسه واسطة مبهمة، وابن عساكر صرح بأن المحفوظ فيه: «عن رجل لم يسم عن عقبة». فهما علتان في مستويين مختلفين: الدارقطني يحدد الراوي المحفوظ عن إسماعيل، والبخاري وأبو حاتم وابن عساكر يحررون الاتصال داخل ذلك الطريق المحفوظ.
فلا تصلح رواية جرير أن تكون شاهدًا للحديث؛ لأنها ناشئة من الاختلاف نفسه على إسماعيل بن أبي خالد، وقد حكم الدارقطني عليها بالوهم. فلا يصح أن يقال: طريق عقبة ضعيف ثم يتقوى بطريق جرير؛ لأن جرير ليس مخرجًا مستقلًا محفوظًا.
وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ رواه الطبراني من طريق عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَقْتُلُ نَفْسًا، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ خَفِيفُ الظَّهْرِ».11 وفيه ابن لهيعة، ثم إن لفظه لا يشتمل على الوعد الخاص: «دخل الجنة» أو «دخل من أي أبواب الجنة شاء»، وإنما يشهد لاجتماع التوحيد والسلامة من دم النفس المحرمة، فهو شاهد لأصل المعنى، لا لجميع لفظ حديث عقبة.
وأما أصل قوله: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة» فثابت من أحاديث صحيحة كثيرة، وكذلك تغليظ أمر الدم الحرام ثابت في الصحيح، ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا».12 لكن صحة هذين الأصلين لا تزيل علة إسناد حديث عقبة ولا تثبت خصوص جمعهما في هذا اللفظ والوعد الخاص.
فالحديث يدور على إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عقبة بن عامر. ورواه جماعة على ظاهر الاتصال، إلا أن البخاري وأبا حاتم أثبتا بين عبد الرحمن وعقبة رجلًا، وصرح ابن عساكر بأن هذا هو المحفوظ. وأما طريق جرير فمعلول بالوهم عند الدارقطني، فلا يصلح عاضدًا، وشاهد ابن عباس ضعيف ولا يحمل الوعد الخاص الوارد في حديث عقبة. فالأقرب على طريقة أئمة العلل أن الحديث بهذا الإسناد مرفوع ضعيف، وأصل معناه صحيح من نصوص أخرى. وتصحيح من صححه إنما جرى على ظاهر إسناد «عبد الرحمن عن عقبة» وإمكان اللقاء، بينما النقد المتقدم أثبت واسطة مبهمة في هذا الخبر بعينه.
(مَنْ لَقِيَ اللهَ عز وجل لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) أي مات على أصل التوحيد سالمًا من الشرك بالله، وهذا الأصل ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة. (لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَامٍ) من الندى، أي لم يتلوث ولم يصب من الدم المحرم شيئًا؛ كأنه نالته نداوة الدم وبلله، والمراد السلامة من التعدي على الدم المعصوم بالقتل بغير حق، ويدخل في خطورة ذلك الإعانة والتسبب بحسب ما تدل عليه الأدلة الأخرى. (دَخَلَ الْجَنَّةَ) هذا الوعد بهذا التركيب الخاص هو محل الحديث المبحوث، وإسناده لا يثبت عند الترجيح المتقدم، وإن كان دخول الموحد الجنة في الجملة، وشدة تحريم الدماء، أصلين ثابتين في السنة الصحيحة.