تخريج حديث 1868: «جُلَسَاءُ اللهِ غَدًا أَهْلُ الْوَرَعِ…»
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
جُلَسَاءُ اللهِ غَدًا أَهْلُ الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا.”
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
جُلَسَاءُ اللهِ غَدًا أَهْلُ الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا.”
رواه ابن أبي الدنيا،1، وقوام السنة،2 وابن لال كما في «زهر الفردوس»،3 وأبو طاهر السلفي،4 من طرق عن كثير بن هشام، عن عيسى بن إبراهيم بن طهمان الهاشمي، عن مقاتل بن قيس الأزدي، عن علقمة بن مرثد، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ ابن أبي الدنيا وقع في بعض النسخ: «حبيبا الله غدًا أهل الورع والزهد»، والمحفوظ في بقية المصادر: «جلساء الله غدًا أهل الورع والزهد في الدنيا».
وقد وقع اختلاف في هذا الإسناد؛ فرواه أبو منصور معمر بن أحمد الأصفهاني من طريق ابن أبي الدنيا نفسه، فقال: عن عيسى بن إبراهيم، عن مقاتل، عن إدريس الأودي، عن علقمة بن مرثد، عن سلمان، فزاد «إدريس الأودي» بين مقاتل وعلقمة.5 وأكثر روايات الخبر عن ابن أبي الدنيا، ومنها رواية قوام السنة، على إسقاط إدريس؛ فالظاهر أن هذه الزيادة غير محفوظة، أو أنها اختلاف في نقل الإسناد عن ابن أبي الدنيا. وعلى كلا الوجهين لا يتغير الحكم؛ لأن العلة الشديدة قبل هذا الموضع في عيسى بن إبراهيم.
ومدار الطريق المشهور على عيسى بن إبراهيم بن طهمان الهاشمي، وهو متروك شديد الضعف. قال يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال البخاري والنسائي: «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم: «متروك الحديث»، وقال النسائي أيضًا: «متروك».6 وقال ابن عدي بعد أن ساق جملة من حديثه: «وعامة رواياته، لا يتابع عليها».7 فمثل هذا لا يصلح حديثه للاعتبار، فضلًا عن أن يحمل تفردًا في فضيلة غيبية مخصوصة.
وشيخه مقاتل بن قيس، قال الذهبي: «مقاتل بن قيس، عن علقمة بن مرثد، ضعفه الأزدي».8 فاجتمع في السند راو متروك منكر الحديث، وشيخ ضعفه النقاد.
ثم روي من طريق آخر عن علقمة بن مرثد؛ رواه أبو علي بن فضالة من طريق عيسى بن موسى غنجار، عن سليمان بن عمرو النخعي، عن الجريري، عن علقمة، عن سلمان، مرفوعًا.9 وهذه الطريق شر من الأولى؛ لأن سليمان بن عمرو أبو داود النخعي كذاب وضاع. قال أحمد فيه: «كذاب»، وقال ابن عدي: «وسليمان بن عمرو اجتمعوا على أنه يضع الحديث».10 فلا يصلح هذا الطريق متابعةً بحال، بل هو طريق ساقط لا يجوز تقوية الأول به.
(جُلَسَاءُ اللهِ غَدًا) هذا اللفظ لا يثبت عن النبي ﷺ، ومعناه على فرض ثبوته: أهل القرب من كرامة الله ورحمته يوم القيامة، لا أن المراد مجلسًا على معنى مجالس المخلوقين. (أَهْلُ الْوَرَعِ) أي الذين يجتنبون الحرام وما يخشون أن يجرهم إليه من المشتبهات. (وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا) أي الذين لا يتعلقون بالدنيا تعلقًا يصرفهم عن الآخرة، ويتركون منها ما لا ينفعهم عند الله. ومعنى فضل الورع والزهد ثابت بأدلة صحيحة كثيرة، لكن ذلك لا يصحح هذا اللفظ بعينه.