أصل قصة حجب أم جميل عن رؤية النبي ﷺ له أصل حسن بمجموع الطرق. أما هذا السياق فلا يصح.
أحكام المحدثين
قال الحاكم في طريق أسماء: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».1 وقال البزار في شاهد ابن عباس: «هذا الحديث حسن الإسناد»، وقال أيضًا: «لا نعلم أحدًا يرويه بأحسن من هذا الإسناد، وروي مرسلًا».2 وقال ابن حجر عن طريق البزار: «بإسناد حسن».3 وأورد ابن حبان شاهد ابن عباس في «صحيحه».4 وحسنه ضياء الرحمن.5
لكن قال السناري: «ضعيف بهذا السياق».6 وأما شاهد ابن عباس ففيه عطاء بن السائب، وقد اختلط؛ ولذلك قال الهيثمي: «فيه عطاء بن السائب وقد اختلط».7 كما أن للخبر عنه وجهًا مرسلًا؛ فقد رواه محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير دون ابن عباس، وهو ما نبه إليه البزار بقوله: «وروي مرسلًا».8
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (393/2 رقم 3376)
2مسند البزار (68/1 رقم 15)
3فتح الباري (610/8 ط السلفية)
4صحيح ابن حبان (440/14 رقم 6511 ت شعيب الأرناؤوط)
5الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (331/11)
6مسند أبي يعلى - ت السناري (86/1)
7مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (147/7 ت حسام الدين القدسي)
8مسند البزار (68/1 رقم 15)
تخريج الحديث
رواه الحميدي،1 وأبو يعلى،2 والحاكم،3 والبيهقي،4 من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن تَدْرُس، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، به.
ووقع في أكثر النقول المطبوعة: «عن ابن تدرس»، حتى إن ابن حجر عينه بأبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس.5 لكن المحفوظ فيما يظهر «عن تدرس» بلا «ابن»؛ فإن طبعة «مسند الحميدي» المحققة أثبتته كذلك، ونص المحقق على أن ما في الأصول من «ابن تدرس» خطأ، واستدل بترجمتي الوليد بن كثير وأسماء عند المزي.6 وقد عد المزي «تدرس جد أبي الزبير» نفسه في أصحاب أسماء، ولم يذكر أبا الزبير في هذا الموضع.7
وهذا الترجيح مؤثر في الحكم؛ فتَدْرُس جد أبي الزبير مجهول الحال، ولم أقف له على توثيق معتبر، وقال الهيثمي في طريق آخر عنه عن أسماء: «لم أعرفه».8 ومن ثم فتصحيح الحاكم لهذا الإسناد لا يظهر؛ لأن في الطريق راويا لم يثبت توثيقه.
ولو جرى على قراءة «ابن تدرس» وعُيّن بأبي الزبير المكي، كما فعل ابن حجر، لم يَسْلَم الطريق أيضًا من النظر؛ فإن أبا الزبير معروف بالتدليس، وقد جاءت الرواية عنه بالعنعنة، ولم أقف على ما يثبت سماعه هذا الخبر من أسماء. لكن القرائن الرجالية ترجح أن الراوي هنا جده تدرس أصلًا، لا أبو الزبير.
ورواه البيهقي من طريق علي بن مُسهر، عن سعيد بن كثير بن عبيد، عن أبيه كثير بن عبيد، قال: حدثتني أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: «أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعِنْدَهُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ مَا شَأْنُ صَاحِبِكَ يَنْشُدُ فِي الشِّعْرِ؟. فَقَالَ: وَاللهِ مَا صَاحِبِي بِشَاعِرٍ وَمَا يَدْرِي مَا الشِّعْرُ فَقَالَتْ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ فِي جِيدِهَا حَبَلٌ من مسد فَمَا يُدْرِيهِ مَا فِي جِيدِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: قُلْ لَهَا تَرَيْنَ عِنْدِي أَحَدًا؟ فَإِنَّهَا لَنْ تَرَانِي، قَالَ: جُعِلَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَسَأَلَهَا أَبُو بَكْرٍ؟. فَقَالَتْ: أَتَهْزَأُ بِي يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ!، وَاللهِ مَا أَرَى عِنْدَكَ أَحَدًا».9
سعيد بن كثير بن عبيد أبو العنبس ثقة؛ قال ابن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث»، وقال الدارقطني: «ثقة».10 وأبوه كثير بن عبيد هو مولى أبي بكر ورضيع عائشة، وقد نص أهل التراجم على روايته عن أسماء بنت أبي بكر، وروى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في «الثقات»؛ ووصفه ابن حجر بـ«مقبول»، فهو في أقل أحواله صالح للاعتبار.
وله شاهد في أصل القصة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ رواه البزار،11 وأبو يعلى،12 وابن حبان،13 والضياء المقدسي،14 من طريق أبي أحمد الزبيري، عن عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ جاءت امرأة أبي لهب، ورسول الله ﷺ جالس ومعه أبو بكر، فقال أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك، فقال ﷺ: «إِنَّهُ سَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا»، فلما ذهبت قال أبو بكر: ما رأتك؟ فقال: «لَا، مَا زَالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي حَتَّى وَلَّتْ».15
وهذا الشاهد يوافق حديث أسماء في أصل مجيء أم جميل بعد نزول السورة، وخوف أبي بكر أن تؤذي النبي ﷺ، وكونها لم تره، ومراجعتها أبا بكر في مسألة الهجاء. فهو شاهد حقيقي لأصل القصة، وليس شاهدًا لتفاصيل طريق أسماء كلها.
إلا أن إسناد ابن عباس ليس سالمًا؛ لأن عبد السلام بن حرب يرويه عن عطاء بن السائب، وعطاء اختلط بآخره، وعبد السلام ليس ممن نص النقاد على سماعهم القديم منه؛ ولذلك أعل الهيثمي الطريق باختلاط عطاء.16 وقد قال أبو حاتم في عطاء: إن ما رواه عنه ابن فضيل فيه «غلط واضطراب»، ونص النقاد على أن المعتمد من حديث عطاء ما رواه عنه القدماء كشعبة والثوري وحماد بن زيد.17
وفوق ذلك فقد اختلف على عطاء في وصل الخبر؛ فرواه عبد السلام بن حرب عنه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موصولًا، ورواه محمد بن فضيل عنه، عن سعيد بن جبير مرسلًا، لم يذكر ابن عباس.18 ولهذا قال البزار مع تحسينه للموصول: «وروي مرسلًا».19 وهذا الاختلاف يلائم ما عرف من اضطراب عطاء بعد اختلاطه، فلا أجعل طريق ابن عباس صحيحًا مستقلًا.
وروي الخبر من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه بسياق مختلف؛ رواه الحاكم من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، وفيه أن أم جميل خاطبت النبي ﷺ نفسه، فقال لها: «إِنِّي وَاللهِ مَا هَجَوْتُكِ، مَا هَجَاكِ إِلَّا اللهُ».20 لكن الحاكم نفسه قال بعده: «إلا أني وجدت له علة»، ثم ساقه من الطريق نفسه عن أبي إسحاق، عن يزيد بن زيد، لا عن زيد بن أرقم.21 فهذا الطريق معلول، ثم إن متنه لا يشهد لخصوص عدم رؤيتها النبي ﷺ، بل ظاهره أنها خاطبته، فلا يصح جعله شاهدًا لذلك اللفظ.
فطريق أسماء ضعيف بمفرده لجهالة تدرس جد أبي الزبير. وطريق ابن عباس فيه ضعف من جهة اختلاط عطاء بن السائب والاختلاف عليه في الوصل والإرسال، إلا أن ضعفه محتمل، وقد حسنه البزار وابن حجر، وهو مستقل المخرج عن طريق أسماء. واتفق الطريقان في أصل القصة اتفاقًا واضحًا: مجيء أم جميل، وخوف أبي بكر، وقول النبي ﷺ إنها لن تراه أو أنه سيحال بينه وبينها، وعدم رؤيتها له، ثم سؤالها أبا بكر عن الهجاء. فتقوى هذه الجملة بمجموع الطريقين، ويكون أصل القصة حسنًا لغيره.
أما تفصيل طريق أسماء: كونها «العوراء»، وكون الفهر في يدها، والأبيات الثلاثة على هذا السياق، وخصوص قوله: «وقرأ قرآنًا فاعتصم به... وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾»، فليس في شاهد ابن عباس شيء من ذلك. فلا يصح أن نقول إن الشاهد صحح هذا السياق كله؛ فإن الشاهد لا يثبت إلا القدر الذي وافق فيه الأصل.
وأما ما جاء عقب حديث الحميدي: «قال فقال الوليد في حديثه أو قال غيره: فعثرت أم جميل وهي تطوف بالبيت في مرطها...» إلى آخره، فالرواية نفسها مترددة في قائله، فلا يدخل في صلب المتن المرفوع، ولا يصح وصله بالقصة على جهة الجزم.22
فالراجح أن أصل قصة حجب أم جميل عن رؤية النبي ﷺ له أصل حسن بمجموع طريق أسماء وطريق ابن عباس. أما حديث أسماء بالسياق المطول فهو ضعيف الإسناد، ولا يثبت منه على جهة الخصوص أن النبي ﷺ قرأ آية الإسراء فكانت سبب الحجاب؛ إذ هذه الزيادة لا تعرف إلا من الطريق المعلول بتدرس المجهول، ولم يوافقه عليها شاهد ابن عباس.
المصادر والمراجع
1مسند الحميدي (323/1 رقم 325 ت حسين سليم أسد الداراني)
2مسند أبي يعلى (53/1 رقم 53 ت حسين سليم أسد)
3المستدرك على الصحيحين (393/2 رقم 3376)
4دلائل النبوة للبيهقي (195/2)
5إتحاف المهرة (2019/16)
6مسند الحميدي (323/1 رقم 325 ت حسين سليم أسد الداراني)
7تهذيب الكمال (123/35 ت بشار)
8مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (19/6 ت حسام الدين القدسي)
9دلائل النبوة للبيهقي (196/2)
10تهذيب الكمال (36/11 ت بشار)
11مسند البزار (68/1 رقم 15)
12مسند أبي يعلى (33/1 رقم 25 ت حسين سليم أسد)
13صحيح ابن حبان (440/14 رقم 6511 ت شعيب الأرناؤوط)
14الأحاديث المختارة (279/10 رقم 292)
15مسند البزار (68/1 رقم 15)
16مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (147/7 ت حسام الدين القدسي)
17سير أعلام النبلاء (111-112/6)
18مصنف ابن أبي شيبة (323/6 رقم 31768 ت كمال يوسف الحوت)
19مسند البزار (68/1 رقم 15)
20المستدرك على الصحيحين (573/2 رقم 3945)
21المستدرك على الصحيحين (573/2 رقم 3945-3946)
22مسند الحميدي (323-324/1 رقم 325 ت حسين سليم أسد الداراني)
شرح الحديث
(أَقْبَلَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ) هي زوج أبي لهب وأخت أبي سفيان، وقد جاءت غضبى لما بلغها ما نزل فيها وفي زوجها. (وَلَهَا وَلْوَلَةٌ) أي صوت وعويل. (وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ) الفِهر الحجر الذي يملأ الكف. وهذه التفاصيل إنما وردت في طريق أسماء الضعيف. (مُذَمَّمًا أَبَيْنَا) أرادت النبي ﷺ، وعدلت عن اسمه إلى «مذمم» على سبيل السب، أي رفضناه. (وَدِينَهُ قَلَيْنَا) أي أبغضنا دينه. (إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي) هذا المعنى يشهد له حديث ابن عباس، وفيه أن ملكًا كان يستر النبي ﷺ عنها حتى ولت. وأما قوله في طريق أسماء: (وَقَرَأَ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ) وتعيين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ فهذا التعيين لا يثبت بإسناد يحتج به.