تخريج حديث 1874: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ.”
حكى المناوي عن العراقي أنه قال في الحديث: «يتقوى بعدد طرقه».1
لكن قال ابن حبان في يحيى بن عُبيد الله، مدار طريق أبي هريرة: «يروي عن أبيه ما لا أصل له، سقط الاحتجاج به بحال، وكان ابن عيينة شديد الحمل عليه».2 وقال الألباني: «ضعيف جدًا».3 وأعله محمد عمرو عبد اللطيف.4
رواه هناد بن السري،1 وابن حبان،2 والبيهقي،3 من طرق عن يحيى بن عُبيد الله بن عبد الله بن مَوْهَب، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ هناد وابن حبان: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ»، وعند البيهقي: «إِنَّ اللهَ عز وجل إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ صَوْتَهُ».4
مدار حديث أبي هريرة على يحيى بن عُبيد الله القُرشي التيمي المدني، وهو شديد الضعف. قال أحمد: «منكر الحديث، ليس بثقة»، وقال أيضًا: «أحاديثه مناكير، ولا يعرف هو ولا أبوه»، وقال يحيى بن سعيد القطان: «ضعيف الحديث» ثم تركه، وكان ابن عيينة يضعفه، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا... لا يشتغل به»، وقال النسائي: «ضعيف، لا يكتب حديثه»، وقال الدارقطني: «ضعيف».5 وقال ابن حجر: «متروك».6
بل أخرج ابن حبان الحديث نفسه في جملة أحاديث رواها يحيى عن أبيه، ثم قال فيه: «يروي عن أبيه ما لا أصل له، سقط الاحتجاج به بحال».7 فهذا جرح متصل بهذا الطريق نفسه، وليس مجرد تضعيف عام للراوي.
وروي معنى قريب عن ابن مسعود أو غيره من الصحابة؛ رواه البيهقي من طريق هشام الدستوائي، عن حماد، عن أبي وائل، عن ابن مسعود أو غيره من أصحاب النبي ﷺ - شك هشام - أنه قال: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ، فَمِنْ حُبِّهِ إِيَّاهُ يَمَسُّهُ الْبَلَاءُ حَتَّى يَدْعُوَهُ فَيَسْمَعُ دُعَاءَهُ».8
لكن البيهقي أتبع ذلك بالطريق المحفوظ، فرواه من طريق سليمان بن حرب وحفص، عن شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي وائل، عن كُرْدُوس بن عَمرو، وكان يقرأ الكتب، وفيه: «إِنَّ اللهَ لَيَبْتَلِي الْعَبْدَ وَهُوَ يُحِبُّهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ»، ثم قال البيهقي: «هذا أصح من رواية حماد».9
وهذا من أهم ما في الباب؛ فإن الوجه الذي ظاهره الوقف على ابن مسعود أو صحابي آخر قد رجح البيهقي خلافه، وأن المحفوظ فيه عن أبي وائل هو روايته عن كُرْدُوس، وكردوس ممن كان يقرأ الكتب.
ويؤكد ذلك أنه روي عن أبي وائل، عن كُرْدُوس الثعلبي نفسه أنه قال: «وَجَدْتُ فِي الْإِنْجِيلِ إِذْ كُنْتُ أَقْرَؤُهُ: إِنَّ اللهَ لَيُصِيبُ الْعَبْدَ بِالْأَمْرِ يَكْرَهُهُ، وَإِنَّهُ لَيُحِبُّهُ، لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَضَرُّعُهُ إِلَيْهِ».10 فظهر أن لهذا المعنى أصلًا متداولًا في الكتب السابقة من رواية كُرْدُوس، فلا يصلح طريق ابن مسعود المعلول عاضدًا للمرفوع عن أبي هريرة.
ورواه الطبراني من طريق أبي جابر محمد بن عبد الملك، عن شعبة، عن حماد، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، بلفظ: «إِنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ عز وجل: إِنَّ اللهَ لَيَبْتَلِي الْعَبْدَ وَهُوَ يُحِبُّهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ».11 وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا أبو جابر».12 لكن هذا الوجه لا يقاوم رواية سليمان بن حرب وحفص عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن كردوس، وهي التي رجحها البيهقي.
وله شاهد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، رواه الطبراني،13 والبيهقي،14 من طريق عُفَيْر بن مَعْدان، عن سُلَيْم بن عامر، عن أبي أمامة مرفوعًا، وفيه أن الله يقول للملائكة بعد ابتلاء عبده: «ارْجِعُوا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ».
وهذا شاهد شديد الضعف؛ ومداره على عُفَيْر بن مَعْدان الحَضرمي، وقد قال أحمد: «منكر الحديث، ضعيف»، وقال يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال أبو زرعة: «منكر الحديث جدًا»، وقال أبو حاتم في رواياته عن سليم بن عامر عن أبي أمامة: فيها «مناكير لا أصل لها»، وقال النسائي: «ليس بثقة ولا يكتب حديثه».
وروي من حديث أنس رضي الله عنه معنى قريب، رواه ابن أبي الدنيا من طريق بَكْر بن خُنَيْس، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس، وفيه: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا وَأَرَادَ أَنْ يُصَافِيَهُ صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا...».15 وفيه بكر بن خنيس ويزيد الرقاشي، وكلاهما ضعيف، والطريق لا يصلح لتقوية طريق أبي هريرة، فضلًا عن أنه لا يطابق لفظ «ليسمع تضرعه».
وأما أصل قول النبي ﷺ: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ» فله طرق أخرى معروفة، وفي الباب ما يشهد لمعنى أن الابتلاء قد يكون من علامات إرادة الخير بالعبد، وهذا غير محل النزاع هنا. محل البحث هو الزيادة: «لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ»، وهذه لم تثبت من طريق مرفوع صالح، فلا يصح أن تُصحح بصحة أصل معنى الابتلاء والمحبة.
فالحديث من طريق أبي هريرة مداره على يحيى بن عُبيد الله بن عبد الله بن موهب، وهو متروك أو شديد الضعف عند جمهور النقاد، وقد أخرج ابن حبان الحديث نفسه في ترجمته وحكم بأن ما يرويه عن أبيه لا أصل له وأنه ساقط الاحتجاج. وما ظُن شاهدًا له عن ابن مسعود رجح البيهقي أن المحفوظ فيه رواية أبي وائل عن كُرْدُوس، وكان يقرأ الكتب، بل ثبت عنه معنى الخبر منقولًا من الإنجيل. وأما حديث أبي أمامة فشديد الضعف بعفير بن معدان، وطريق أنس لا يصلح للجبر. فقول من قال إنه «يتقوى بعدد طرقه» لا يظهر؛ لأن الطرق المرفوعة لا تبلغ مرتبة الاعتبار التي ينجبر بها هذا الطريق الشديد الضعف. فالراجح أن الحديث مرفوع ضعيف جدًا، وأن خصوص قوله: «ليسمع تضرعه» لا يثبت عن النبي ﷺ.
(إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ) أصل كون المؤمن قد يبتلى مع محبة الله له ثابت في السنة، والبلاء قد يكون لرفع الدرجات وتكفير السيئات وغير ذلك من الحكم، فلا يلزم أن يكون كل ابتلاء علامةً بمجرده على محبة الله للعبد. (لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ) هذا التعليل لا يثبت مرفوعًا بهذا الحديث، فلا ينسب إلى النبي ﷺ. وعلى فرض المعنى فلا يراد أن الله لا يسمع عبده قبل البلاء؛ فإن سمع الله محيط، وإنما المراد محبة دعائه وتضرعه، لكن تخصيص الابتلاء بهذا التعليل يحتاج إلى دليل صحيح، ولم يثبت هنا.