قال الحاكم في طريق عائشة: «هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».1 وقال المنذري: «إسناده جيد».2 وقال البوصيري: «روي بإسناد جيد، وله شاهد».3 وقال محققو المسند: «حديث حسن لغيره».4 وصححه الألباني من طريق ابن مسعود، وقال: «إسناده إلى ابن مسعود صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين».5 وصححه السناري.6
لكن تعقب الذهبي تصحيح الحاكم لطريق عائشة فقال في شَيْبة الخُضَري: «ما خرج له سوى النسائي هذا الحديث، وفيه جهالة»،7 وقال في ترجمته: «لا يعرف، تفرد عنه إسحاق بن عبد الله».8 وقال الصنعاني في طريق عائشة: «فيه شيبة الحضرمي عن عروة، ويقال الخضري، قال الذهبي في المغني: لا يعرف».9
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (1/ 199 رقم 49 ط الرسالة)
2الترغيب والترهيب (2/ 4 ت إبراهيم شمس الدين)
3إتحاف الخيرة المهرة (1/ 416 ت دار المشكاة للبحث العلمي)
4مسند أحمد (42/ 55 رقم 25121 ط الرسالة)
5السلسلة الصحيحة (3/ 376 رقم 1387 ط مكتبة المعارف)
6مسند أبي يعلى - ت السناري (6/ 480 رقم 4566)
7تلخيص المستدرك مع المستدرك (1/ 199 ط الرسالة)
8ميزان الاعتدال (2/ 286 رقم 3762 ت علي محمد البجاوي)
9التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 157)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وأبو يعلى،2 والحاكم،3 والبيهقي،4 من طرق عن هَمَّام بن يحيى العَوْذي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن شَيْبة الخُضَري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، مرفوعًا. ورواه النسائي مختصرًا من هذا الطريق بلفظ: «لَا يَجْعَلُ اللهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ».
ورواه أحمد مرة أخرى عن عفان بن مسلم، عن همام بن يحيى، بهذا الإسناد، بنحوه.5 فحديث عائشة يدور على شَيْبة الخُضَري، عن عروة.
وشَيْبة هو الخُضَري، والخُضر قبيلة من محارب بن خَصَفة، وقد وقع عند الحاكم وبعض الروايات «الحضرمي»، والصواب المشهور في كتب الرجال «الخُضَري». روى عن عروة بن الزبير، ولم يرو عنه فيما ذكر المزي إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وذكره ابن حبان في «الثقات».6 وقال الذهبي: «لا يعرف، تفرد عنه إسحاق بن عبد الله».7 وقال ابن حجر: «مقبول».8 فطريق عائشة بمفرده لا يصح؛ لأن شَيْبة مجهول الحال، وإيراد ابن حبان له في الثقات لا يكفي لدفع جهالته مع تفرد واحد بالرواية عنه.
ولهذا فتصحيح الحاكم لإسناد عائشة فيه نظر، وقد تنبه الذهبي لذلك. وليس في هَمَّام بن يحيى ما يعل به هذا الطريق هنا؛ فالعلة المؤثرة هي حال شَيْبة الخُضَري، لا من فوقه.
لكن أبا يعلى روى عقب حديث عائشة طريقًا آخر مهمًا؛ فقال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: «وحدثني عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ بمثله».9 فالحديث من هذا الوجه يرويه هَمَّام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عمه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، مرفوعًا بمثل حديث عائشة.
وعبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ثقة جليل، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، وقد اتفقوا على ثقته، وروى عن عمه ابن مسعود.10 وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة حجة، وهَمَّام بن يحيى ثقة، وهُدبة بن خالد ثقة؛ فلا يظهر في طريق أبي يعلى علة قادحة، وهو عمدة تصحيح الحديث.
وقد جاء الحديث عن ابن مسعود موقوفًا أيضًا؛ فرواه عبد الرزاق،11 عن معمر، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: «ثلاث أحلف عليهن، والرابعة لو حلفت لبررت...» فذكر نحوه. لكن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، فالإسناد منقطع.12
ورواه أبو داود في «الزهد» موقوفًا من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي مدرك علي بن مدرك النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، بنحو معناه، وفيه: «ثلاث حقًا على الله أن يفعلهن بالعبد...».13 وعلي بن مدرك ثقة، قال ابن معين والنسائي: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «صالح صدوق»، ثم قال: «ثقة».14 فله عن ابن مسعود أصل موقوف قوي كذلك.
ولا يلزم من ثبوت الموقوف رد المرفوع؛ لأن الطريقين مختلفان، وألفاظهما ليست متطابقة تمامًا، وقد يكون ابن مسعود حدث به عن النبي ﷺ ثم وعظ ببعض معانيه من كلامه، كما يقع كثيرًا. وطريق الرفع عند أبي يعلى متصل صحيح الظاهر، ولم أقف على إمام من أئمة العلل حكم بأن الوقف هو المحفوظ في هذا الخبر أو أن رفع عبد الله بن عتبة خطأ. ولذلك لا يصح ترجيح الوقف بمجرد وجود الطريق الموقوف.
وله شاهد عن علي رضي الله عنه في الجمل الثلاث الأولى، رواه الطبراني من طريق محمد بن ميمون الخياط، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن علي، مرفوعًا: «ثلاث هن حق: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبدًا فيوليه غيره، ولا يحب رجل قومًا إلا حشر معهم».15 وقال المنذري: «إسناده جيد».16 إلا أن هذا الشاهد لا يحتاج إليه في أصل التصحيح بعد ثبوت طريق ابن مسعود.
وله شاهد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بنحو الحديث، وفيه فَضَّال بن جبير، وهو ضعيف، فلا يعتمد عليه.17
فطريق عائشة ضعيف لجهالة شَيْبة الخُضَري، وتصحيح الحاكم له متعقب. لكن أبا يعلى رواه من طريق آخر عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، مرفوعًا بمثله، وإسناده صحيح. وقد جاء عن ابن مسعود موقوفًا من أكثر من وجه، وأقواها طريق أبي مدرك عن عبد الرحمن بن يزيد، غير أن ذلك لا يكفي لتعليل الطريق المرفوع مع اختلاف الأسانيد والألفاظ وعدم وقوفنا على ناقد متقدم رجح الوقف. فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح من حديث ابن مسعود، وأما إسناد عائشة الذي اشتهر به الحديث فضعيف.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (42/ 55 رقم 25121 ط الرسالة)
2مسند أبي يعلى - ت السناري (6/ 480 رقم 4566)
3المستدرك على الصحيحين (1/ 199 رقم 49 ط الرسالة)
4شعب الإيمان (11/ 324 رقم 8598 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
5مسند أحمد (42/ 161 رقم 25271 ط الرسالة)
6تهذيب الكمال (12/ 610-611 ت بشار)
7ميزان الاعتدال (2/ 286 رقم 3762 ت علي محمد البجاوي)
8تقريب التهذيب (رقم 2840)
9مسند أبي يعلى - ت السناري (6/ 480 رقم 4566)
10الإصابة في تمييز الصحابة (6/ 268 ت عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض)
11مصنف عبد الرزاق (11/ 199 رقم 20318 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
12مصنف عبد الرزاق (11/ 199 رقم 20318 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
13الزهد لأبي داود (ص136 رقم 127 ت ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس)
14تهذيب الكمال (21/ 127 ت بشار)
15المعجم الأوسط (6/ 293 رقم 6450 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
16الترغيب والترهيب (4/ 87 ت إبراهيم شمس الدين)
17المعجم الكبير للطبراني (8/ 263 رقم 8023 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
شرح الحديث
(ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ) أي ثلاث خصال يؤكد النبي ﷺ صدقها بالقسم لما فيها من الحق الذي لا يتخلف. (لَا يَجْعَلُ اللهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ) أي لا يسوي الله في الجزاء والمنزلة بين من قام بنصيب من شعائر الإسلام وبين من ضيعها؛ فالعمل الصالح له أثره في رفعة العبد. (وَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ) أي من أعظم سهامه وشرائعه هذه الثلاث، وليس المراد حصر شرائع الإسلام وأركانه فيها؛ فقد ثبتت بقية أركان الإسلام بأحاديث صحيحة صريحة. (وَلَا يَتَوَلَّى اللهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيَهُ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي من تولاه الله بالتوفيق والهداية والإعانة في الدنيا لم يخذله في الآخرة، بل يتم عليه فضله وولايته. (وَلَا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إِلَّا جَعَلَهُ اللهُ مَعَهُمْ) أي أن المحبة الدينية الصادقة توجب الاجتماع بالمحبوبين بحسب حالهم، وأصل هذا المعنى ثابت في الأحاديث الصحيحة في قوله ﷺ: «المرء مع من أحب». (وَالرَّابِعَةُ لَوْ حَلَفْتُ عَلَيْهَا رَجَوْتُ أَنْ لَا آثَمَ) زيادة في تأكيد رجائه ﷺ في كرم الله وستره. (لَا يَسْتُرُ اللهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي أن من أنعم الله عليه بالستر في الدنيا كان ذلك من أسباب رجاء دوام ستره وإحسانه عليه في الآخرة.
فوائد الحديث
في الحديث بيان أثر الصلاة والصيام والزكاة في رفعة درجات أهل الإسلام.
وفيه أن قوله: «أسهم الإسلام ثلاثة» لا يراد به حصر جميع شرائع الإسلام في هذه الثلاث.
وفيه إثبات ولاية الله لأوليائه، وأن من تولاه الله في الدنيا ورزقه الهداية والتوفيق رُجي له تمام الولاية في الآخرة.
وفيه أن المحبة في الله سبب للحشر مع أهل الطاعة والصلاح.
وفيه فضل ستر الله على عبده، ورجاء دوام هذا الستر في الآخرة.