أصلحه أبو داود،1 وذكره عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى»،2 وحسنه ابن مفلح،3 وصححه الألباني في قول له،4 وحسنه ضياء الرحمن.5
لكن قال الدارقطني: «أبو هاشم وأبو يسار مجهولان، ولا يثبت الحديث».6 وقال الذهبي: «إسناد مظلمٌ لمتن منكر».7 وقال النووي: «ضعيف»،8 وقال في موضع آخر: «إسناده ضعيف، فيه مجهول».9 وقال العراقي: «ضعيف».10 وأعل المنذري الإسناد بأبي يسار، ونقل عن أبي حاتم قوله فيه: «مجهول».11 وقال ابن الملقن في أبي يسار: «قال أبو حاتم: مجهول».12 وفي قول آخر للألباني ضعفه،13، وحكم عليه في «ضعيف الترغيب» بأنه «منكر».14 وضعفه السناري.15
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (رقم 4928 ت شعيب الأرناؤوط)
2الأحكام الشرعية الصغرى (2/ 637 ت أم محمد بنت أحمد الهليس)
3الفروع (5/ 534 ت عبد الله التركي)
4صحيح أبي داود (رقم 4928)
5الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (6/ 414)
6علل الدارقطني (11/ 230 رقم 2252 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
7ميزان الاعتدال (4/ 588 ت علي محمد البجاوي)
8خلاصة الأحكام (1/ 247)
9المجموع (3/ 13)
10طرح التثريب (2/ 145)
11مختصر سنن أبي داود (3/ 347)
12البدر المنير (8/ 632)
13هداية الرواة (رقم 4407)
14ضعيف الترغيب والترهيب (رقم 1260)
15مسند أبي يعلى - ت السناري (8/ 330 رقم 6126)
تخريج الحديث
رواه أبو داود،1 ومحمد بن نصر المروزي،2 وأبو يعلى،3 والدارقطني،4 والبيهقي،5 من طرق عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مُفَضَّل بن يونس، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أبي يَسار القرشي، عن أبي هاشم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ أبي داود هو المذكور، وقال أبو أسامة عقب الحديث: «والنقيع ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع».
وعند محمد بن نصر أن إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه قال لأبي أسامة: «أحدثكم المفضل بن يونس...» وساق الإسناد والمتن، «فأقر به أبو أسامة، وقال: نعم».6 فهذا يثبت الرواية عن أبي أسامة، إلا أن العلة فوقه في رواية مُفَضَّل عن الأوزاعي.
وقد كشف الدارقطني علة الحديث فقال: «يرويه الأوزاعي، واختلف عنه؛ فرواه مفضل بن يونس، عن الأوزاعي، عن أبي يسار القرشي، عن أبي هاشم، عن أبي هريرة. وخالفه عيسى بن يونس، فرواه عن الأوزاعي، عن بعض أصحابه: أن النبي ﷺ...» ثم قال: «وأبو هاشم وأبو يسار مجهولان، ولا يثبت الحديث».7
وهذا الاختلاف هو العلة الأهم؛ فمُفَضَّل بن يونس وصل الخبر وسمى أبا يسار وأبا هاشم وأبا هريرة، وخالفه عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو إمام ثقة حافظ، فرواه عن الأوزاعي عن بعض أصحابه عن النبي ﷺ من غير ذكر أبي هريرة ولا أبي يسار وأبي هاشم. فليست المسألة مجرد وجود مجهولين في سند متصل، بل وقع الاختلاف على الأوزاعي نفسه في أصل اتصال الحديث.
وأبو يَسار القرشي مجهول؛ قال أبو حاتم فيه: «مجهول»، وقد نقل ذلك المنذري وغيره.8 وذكر ابن حبان أبا يسار القرشي الراوي عن أبي هاشم في «الثقات»، وفرّق بينه وبين أبي يسار آخر يروي عنه الليث، بينما جمع ابن أبي حاتم بينهما.
وأما أبو هاشم، وهو الدوسي ابن عم أبي هريرة، فقد وثقه العجلي، لكن قال الدارقطني فيه هنا: «مجهول»، وقال ابن حجر: «مجهول الحال». فحتى لو اعتبر توثيق العجلي، تبقى علة الاختلاف على الأوزاعي قائمة، ولا يزول بها حكم الدارقطني بأن الحديث لا يثبت.
وقد قال الذهبي في ترجمة أبي يسار عن أبي هاشم: «إسناد مظلم لمتن منكر»، ثم نقل قول أبي حاتم: «مجهول».9 وهذا موافق من جهة النتيجة لتعليل الدارقطني، لا سيما مع تفرد مُفَضَّل بالوجه الموصول في مقابل عيسى بن يونس.
وروي للحديث شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ رواه محمد بن نصر،10 والطبراني،11 والعقيلي،12 من طريق عبد الصمد بن سليمان الأزرق، عن الخُصيب بن جحدر، عن حبيب بن حِماز، عن أبي سعيد، وفيه أن مخنثًا أتي به النبي ﷺ مخضوب اليدين والرجلين، فقال: «احذروا هذا على نسائكم»، فقالوا: أفلا نقتله؟ فقال: «إني نهيت عن قتل المصلين».
لكن هذا الشاهد ساقط لا يصلح للاعتبار؛ فإن الخُصيب بن جحدر متروك شديد الضعف، وقد أخرج العقيلي الحديث في ترجمته وحكم عليه بقوله: «منكر لا أصل له».13 وقال الهيثمي: «فيه الخصيب بن جحدر وهو كذاب».14 ونقل ابن حجر عن العقيلي أن أحاديثه «مناكير لا أصل لها».15 فلا يصلح طريق أبي سعيد أن يقوي طريق أبي هريرة.
وجاء في بعض طرق هذا الشاهد: «إني نهيت عن ضرب المصلين» بدل «قتل المصلين»، وهذا اختلاف آخر، والطريق واحد في علته؛ فلا يصح اتخاذ اختلاف اللفظ شاهدًا مستقلا.
وأما أصل النهي عن تشبه الرجال بالنساء، وإخراج المتشبهين من البيوت، فثابت من غير هذا الحديث؛ فقد احتج البخاري بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ».16 فهذا يثبت أصل النهي والإخراج، لكنه لا يثبت قصة الخضاب بالحناء، ولا النفي إلى النقيع، ولا خصوص قوله: «إني نهيت عن قتل المصلين».
فهذا الحديث يدور في وجهه الموصول على مُفَضَّل بن يونس، عن الأوزاعي، وقد خالفه عيسى بن يونس فرواه عن الأوزاعي عن بعض أصحابه عن النبي ﷺ من غير وصل إلى أبي هريرة، وعيسى أوثق من مُفَضَّل. وفوق ذلك في الوجه الموصول أبو يسار وأبو هاشم، وقد جهلهما الدارقطني، ونص صراحة على أن الحديث «لا يثبت». وشاهد أبي سعيد شديد الضعف منكر لا يصلح للتقوية.
ولذلك فالراجح على طريقة أئمة العلل أن الحديث مرفوع منكر، ولا يعارض ذلك سكوت أبي داود أو قبول عبد الحق وابن مفلح وتصحيح بعض المتأخرين؛ لأن تعليل الدارقطني أخص، وقد بيّن الاختلاف الواقع على الأوزاعي نفسه.
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (رقم 4928 ت شعيب الأرناؤوط)
2تعظيم قدر الصلاة (2/ 917 رقم 963 ت عبد الرحمن الفريوائي)
3مسند أبي يعلى (10/ 509 رقم 6126 ت حسين سليم أسد)
4سنن الدارقطني (2/ 399 رقم 1758)
5السنن الكبير للبيهقي (17/ 194 رقم 17068 ت عبد الله التركي)
6تعظيم قدر الصلاة (2/ 917 رقم 963 ت عبد الرحمن الفريوائي)
7علل الدارقطني (11/ 230 رقم 2252 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
8مختصر سنن أبي داود (3/ 347)
9ميزان الاعتدال (4/ 588 ت علي محمد البجاوي)
10تعظيم قدر الصلاة (2/ 918 رقم 964 ت عبد الرحمن الفريوائي)
11المعجم الأوسط (5/ 194 رقم 5058 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
12الضعفاء الكبير (2/ 29)
13الضعفاء الكبير (2/ 30)
14مجمع الزوائد (6/ 276)
15لسان الميزان (3/ 360)
16صحيح البخاري (رقم 5886 ط السلطانية)
شرح الحديث
(أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ) المراد في سياق الخبر رجل يتعمد التشبه بالنساء؛ بدليل قوله: (يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ)، وأصل لعن المتشبهين وإخراجهم ثابت في الصحيح كما تقدم. (قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ) أي استعمل الخضاب على الهيئة التي كانت من زينة النساء. (فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ) النقيع بالنون، وليس البقيع، وقد فسره أبو أسامة بأنه ناحية عن المدينة. وهذه الخصوصية في النفي لا تثبت من هذا الخبر، وإن كان أصل إخراج المتشبهين ثابتًا في الصحيح. (إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ) هذا اللفظ في هذه القصة لا يثبت، وإن كانت عصمة دم المسلم وأحكام من يظهر الإسلام والصلاة ثابتة بأحاديث صحيحة أخرى؛ فلا يصحح المعنى العام هذا الإسناد الخاص.(أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ) المراد في سياق الخبر رجل يتعمد التشبه بالنساء؛ بدليل قوله: (يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ)، وأصل لعن المتشبهين وإخراجهم ثابت في الصحيح كما تقدم. (قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ) أي استعمل الخضاب على الهيئة التي كانت من زينة النساء. (فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ) النقيع بالنون، وليس البقيع، وقد فسره أبو أسامة بأنه ناحية عن المدينة. وهذه الخصوصية في النفي لا تثبت من هذا الخبر، وإن كان أصل إخراج المتشبهين ثابتًا في الصحيح. (إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ) هذا اللفظ في هذه القصة لا يثبت، وإن كانت عصمة دم المسلم وأحكام من يظهر الإسلام والصلاة ثابتة بأحاديث صحيحة أخرى؛ فلا يصحح المعنى العام هذا الإسناد الخاص.