تخريج حديث 1883: «يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ،…»
عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا.”
عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا.”
قال ابن تيمية: «إسناده صحيح».1 وأصلح أبو داود شاهده من حديث أبي مالك الأشعري، فسكت عنه.2 وأورده ابن حبان من حديث أبي مالك الأشعري في «صحيحه».3 وسكت ابن حجر عن حديث أبي مالك في «هداية الرواة»، فهو حسن عنده بحسب شرطه.4 وقال محققو المسند في طريق الرجل من الصحابة: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين».5 وصححه الألباني، وقال: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».6 وصححه ضياء الرحمن،7 والوادعي.8
رواه أبو داود الطيالسي،1 وأحمد،2 والنسائي،3 من طرق عن شعبة بن الحجاج، عن أبي بكر بن حفص، قال: سمعت عبد الله بن مُحيريز يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، مرفوعًا: «يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا». ولفظ أحمد: «إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا».4 وعند أبي داود الطيالسي: «عن رجال من أصحاب النبي ﷺ، أو رجل من أصحاب النبي ﷺ».5
وهذا أصح طرق الحديث؛ فشعبة إمام حافظ، وقد صرح بالسماع من أبي بكر بن حفص، فقال: «سمعت أبا بكر بن حفص» وجهالة اسم الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة عدول، وليس في الإسناد من يحتاج إلى متابع. وأبو بكر بن حفص هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، ثقة، وعبد الله بن مُحيريز الجمحي ثقة عابد من كبار التابعين.
وجاء عن أبي بكر بن حفص وجه مرسل؛ رواه عبد الرزاق،6 عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن مُحيريز، قال: قال النبي ﷺ: «لَيَشْرَبَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ».7
وهذا الوجه المرسل لا يعل رواية شعبة الموصولة؛ لأن الثوري لم يروه عن أبي بكر بن حفص مباشرة، وإنما رواه بواسطة أبي إسحاق الشيباني، بينما شعبة سمعه من أبي بكر نفسه، فهو أقرب إلى موضع الاختلاف، وقد حفظ عنه ذكر الصحابي. ويؤيد ذلك أن الطريق المرسل لا يسمى فيه راو مخالف لذلك الصحابي، وإنما وقع إسقاط آخر الإسناد فحسب.
وروي الحديث مسمى الصحابي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ رواه ابن ماجه،8 وأحمد،9 والبزار،10 من طريق سعد بن أوس العَبْسي، عن بلال بن يحيى العَبْسي، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن مُحيريز، عن ثابت بن السِّمط، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، مرفوعًا: «يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ».11 وعند أحمد: «لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ».12
وهذا الطريق أضعف من طريق شعبة؛ لأن ثابت بن السِّمط قليل الرواية، وقد تفرد عنه ابن مُحيريز، ولم يؤثر توثيقه عن متقدم فيما وقفت عليه، وإنما ذكره ابن حبان في الثقات. فلا يحتاج إليه أصل الحديث بعد صحة طريق الرجل من الصحابة، ويحتمل أن يكون الرجل المبهم في رواية شعبة هو عبادة، لكن لا يجزم بذلك لمجرد هذا الطريق.
وله شاهد من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه؛ رواه أبو داود،13 وأحمد،14 من طريق معاوية بن صالح، عن حاتم بن حُرَيْث، عن مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك الأشعري، مرفوعًا: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا».15 وقد سكت عنه أبو داود، فهو صالح عنده.
ومالك بن أبي مريم هو علة هذا الطريق؛ فلم يرو عنه غير حاتم بن حُرَيْث فيما يظهر، ولم يوثقه معتبر سوى إدخال ابن حبان له في الثقات، وقال ابن حزم: «لا يدرى من هو»، وقال الذهبي: «لا يعرف» فهذا شاهد للحديث، وليس هو الطريق الذي ينبغي أن يبنى عليه التصحيح.
ورواه ابن ماجه من الطريق نفسه مطولًا،16 ولفظه: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ». وأورده ابن حبان في «صحيحه».17 لكن إسناد هذا السياق المطول نفسه ضعيف بمالك بن أبي مريم؛ ولذلك لا ينبغي أن تجعل صحة الجملة الأولى من طريق شعبة تصحيحًا آليًا لجميع الزيادات الواردة في حديث أبي مالك، بل زيادة المعازف والخسف والمسخ تنظر في طرقها مستقلة.18
وروي من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه؛ رواه ابن ماجه من طريق عبد السلام بن عبد القدوس، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن أبي أمامة مرفوعًا: «لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا».19 وهذا الطريق ضعيف؛ ففيه عبد السلام بن عبد القدوس، وقد أنكر عليه هذا الحديث، فلا يحتاج إليه في تقوية الأصل الصحيح.
وروي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «إِنَّ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا»، رواه الطبراني من طريق أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس.20 وقال الهيثمي: «رجاله ثقات».21 وهو شاهد حسن في الجملة، غير أن الحديث لا يحتاج إليه في أصل تصحيحه.
فأصح طرق الحديث طريق شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن مُحيريز، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وهو إسناد صحيح متصل، ولا تضر جهالة اسم الصحابي. أما الوجه المرسل عن ابن مُحيريز فلا يعل هذا الطريق؛ لأنه جاء بواسطة أبي إسحاق الشيباني بين الثوري وأبي بكر بن حفص، بينما شعبة روى عن أبي بكر مباشرة وصرح بالسماع. وأما طريق عبادة ففيه ثابت بن السِّمط، وطريق أبي مالك فيه مالك بن أبي مريم، وطريق أبي أمامة ضعيف.
(يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي) أي سيقع من طائفة من المنتسبين إلى أمة النبي ﷺ شرب الخمر، وليس المراد جميع الأمة. (الْخَمْرَ) وهي كل شراب مسكر يخامر العقل ويغطيه، والعبرة بحقيقته وأثره لا بالمادة التي صنع منها ولا بالاسم الذي وضع له. (يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) أي يغيرون اسم الخمر إلى أسماء أخرى طلبًا لتزيينها أو التهوين من شأنها أو استباحتها، مع بقاء حقيقتها المسكرة؛ فتغيير الاسم لا يغير الحكم، لأن التحريم تعلق بالحقيقة والمعنى لا بمجرد اللفظ.