أصلحه أبو داود،1 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».4 وسكت عنه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى»،5 وذكره المنذري بصيغة الجزم.6 وأشار أحمد شاكر إلى صحته بحسب شرطه.7
لكن قال ابن القطان: «أبو أمية - واسمه محمد - شامي، لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عمرو بن جارية اللخمي. وعمرو بن جارية أيضًا لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عتبة بن أبي حكيم؛ وعتبة مختلف فيه؛ فابن معين يضعفه، وغيره يقول: لا بأس به».8 وقال ابن المواق في زيادة «أجر خمسين منكم»: «هذه رواية ظاهرها الإرسال».9 وحكم عبد الله السعد على حديث «أيام الصبر» بالنكارة.10 وقال شعيب الأرناؤوط في إسناد حديث أبي ثعلبة: «إسناده ضعيف».11 وضعف الألباني إسناد حديث أبي ثعلبة، وإن صحح بعض فقراته وشواهدها من طرق أخرى.12
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (4/ 215 رقم 4341 ط مع عون المعبود)
2سنن الترمذي (رقم 3058 ت بشار)
3صحيح ابن حبان (2/ 108 رقم 385 ت شعيب الأرناؤوط)
4المستدرك على الصحيحين (رقم 8110 ط الرسالة)
5الأحكام الوسطى (4/ 270)
6الترغيب والترهيب (4/ 58 ط دار الكتب العلمية)
7عمدة التفسير (1/ 748)
8بيان الوهم والإيهام (3/ 603 ت الحسين آيت سعيد)
9بغية النقاد النقلة (1/ 368 ت محمد خرشافي)
10المدخل إلى جامع الترمذي (2/ 185)
11شرح مشكل الآثار (3/ 211 ت شعيب الأرناؤوط)
12ضعيف سنن الترمذي (رقم 3058)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي الدنيا،1 وأبو داود،2 والترمذي،3 وابن حبان،4 من طرق عن عبد الله بن المبارك، عن عُتبة بن أبي حكيم، عن عَمرو بن جارية اللَّخمي، عن أبي أُمية الشَّعباني، عن أبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه، مرفوعًا. ورواه ابن ماجه،5 من طريق صدقة بن خالد، عن عتبة بن أبي حكيم بهذا الإسناد، وزاد في متنه: «وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ». ورواه الطبري6 من طريق أيوب بن سويد، ومن طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن عتبة بن أبي حكيم بنحوه، ورواه الحاكم من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن عتبة.7 فالحديث بهذا السياق يدور على عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية، عن أبي أمية، عن أبي ثعلبة.
وعتبة بن أبي حكيم الشَّعباني مختلف فيه اختلافًا شديدًا؛ قال يحيى بن معين فيه مرة: «ثقة»، وقال مرة: «ضعيف»، وقال في رواية: «منكر الحديث»، وكان أحمد يضعفه قليلًا، وقال النسائي: «ضعيف»، وقال مرة: «ليس بالقوي»، وقال الدارقطني: «ليس بقوي»، وقال أبو حاتم: «صالح، لا بأس به»، وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به».8 فالراجح أنه ممن يكتب حديثه ويعتبر به، ويقع له الخطأ، وليس ممن يحتمل منه التفرد بمثل هذا السياق الطويل إذا انضم إلى ذلك ضعف من فوقه.
وفوق عتبة عَمرو بن جارية اللَّخمي، ولم ينقل المزي فيه توثيقًا عن إمام من أئمة النقد، وإنما ذكره ابن حبان في «الثقات»، وروى عنه عتبة بن أبي حكيم وأمية بن هند.9 ولذلك قال ابن القطان: «لا تعرف حاله».10 فليس هو مجهول العين بعد ثبوت رواية اثنين عنه، وإنما الإشكال في جهالة حاله وعدم ثبوت تعديل معتبر له.
وأما أبو أُمية الشَّعباني فذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو حاتم: «شامي جاهلي»، وروى عنه عمرو بن جارية وغيره، إلا أنه لم يثبت فيه توثيق صريح عن إمام متقدم تقوم به الحجة.11 وقد شدد ابن القطان في جهالته، وإن كان ما ذكره من انفراد عمرو بالرواية عنه غير دقيق؛ فقد عرف له غيره من الرواة. فالعلة لا تنحصر في عتبة بن أبي حكيم، بل في السند كذلك عمرو بن جارية، وحال أبي أمية لا يبلغ من القوة ما يجبر ما دونه.
ولهذا فتصحيح الحاكم وتحسين الترمذي مبنيان على تساهل في حال رجال هذا الطريق، أما على طريقة نقد الأفراد فالإسناد لا ينهض؛ لاجتماع اختلاف شديد في عتبة، وجهالة حال عمرو بن جارية، مع عدم قوة حال أبي أمية.
وأما قوله في آخر رواية أبي داود والترمذي وابن حبان: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»، فليس من رواية عتبة بهذا الإسناد؛ بل قال عبد الله بن المبارك: «وزادني غير عتبة»، ولم يسم من حدثه بهذه الزيادة.12 وقال الترمذي: «قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة».13 وقال ابن حبان عقب روايته: «يشبه أن يكون ابن المبارك هو الذي قال: وزادني غيره».14 ولذلك قال ابن المواق: «هذه رواية ظاهرها الإرسال»، ونبه إلى أنه لا يجوز وصلها بطريق الظن إلى أبي ثعلبة؛ إذ يحتمل أن يكون من حدث ابن المبارك بها رواها مرسلة أصلًا.15
وأما أصل قوله: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ»، فقد روي16 من حديث أنس بن مالك بلفظ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ»، رواه الترمذي من طريق عمر بن شاكر عن أنس، لكن عمر بن شاكر قال أبو حاتم فيه: ضعيف، يروي عن أنس المناكير، وقال ابن عدي إن نسخته عن أنس غير محفوظة؛17 ولذلك حكم «ديوان الحديث» على هذا الطريق بالضعف في الحديث رقم 1742.
وله شاهد عن أبي هريرة من طريق ابن لهيعة، عن أبي يونس، عنه، وقد روي عن ابن لهيعة من رواية قتيبة بن سعيد، وهي أجود من كثير من رواياته، لكنها لا تبلغ وحدها حد التصحيح، و«ديوان الحديث» بعد جمع طرق هذا اللفظ بقي على تضعيفه. فلفظ «القابض على الجمر» له أصل من طرق، لكنه لا يرقى بذلك إلى الصحيح فيما يظهر.
وأما قوله: «لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ»، فقد وردت له شواهد، لكن لم يصح منها شيء يصلح لرفع هذه الجملة. فرواه البزار من حديث ابن مسعود، وفي إسناده سهل بن عامر البجلي، وقد قال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، روى أحاديث بواطيل... وكان يفتعل الحديث».18 وروي عن عتبة بن غزوان من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، ولم يسمع إبراهيم من عتبة؛ وروي عن ابن عمر وفيه عدي بن الفضل وهو متروك؛ وروي عن أنس من طريق عمر بن شاكر، وقال ابن عدي عن أحاديثه عن أنس: «غير محفوظة».19 ولذلك حكم الديوان على هذا القدر في الحديث رقم 1571 بالنكارة.
وأما صدر الحديث، وهو أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لا يعني ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمعناه ثابت صحيح من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللهُ»، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِ». رواه أحمد،20 وأبو داود،21 والترمذي،22 بإسناد صحيح، وهو الحديث رقم 1616 في «ديوان الحديث» وهو حديث صحيح. فهذا يثبت المعنى العام في صدر حديث أبي ثعلبة، لكنه لا يصحح ألفاظ حديث أبي ثعلبة ولا ما فيه من تحديد «أجر خمسين».
فالحديث يدور على عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، عن أبي ثعلبة. وعتبة مختلف فيه، والأقرب أنه صالح للاعتبار لا لتحمل هذا التفرد الطويل، وعمرو بن جارية مجهول الحال، ولم يثبت في أبي أمية من التوثيق ما يرفع الإسناد. ولهذا فالسياق الكامل ضعيف. ويصح من معناه أن آية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا تسقط فريضة إنكار المنكر عند القدرة، لحديث أبي بكر الصحيح. وأما «القابض على الجمر» فطرقه لا تخلو من ضعف، وأما الثواب الخاص «مثل أجر خمسين» فلم يثبت له شاهد صالح، وزيادة «أجر خمسين منكم» أشد ضعفًا؛ لأنها لم تُرو بإسناد معلوم عن ابن المبارك.
المصادر والمراجع
1الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص41 رقم 2)
2سنن أبي داود (4/ 215 رقم 4341 ط مع عون المعبود)
3سنن الترمذي (رقم 3058 ت بشار)
4صحيح ابن حبان (2/ 108 رقم 385 ت شعيب الأرناؤوط)
5سنن ابن ماجه (2/ 1330 رقم 4014 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
6تفسير الطبري (11/ 145 رقم 12862 ت أحمد شاكر)
7المستدرك على الصحيحين (رقم 8110 ط الرسالة)
8تهذيب الكمال (19/ 300-303 ت بشار)
9تهذيب الكمال (21/ 563-564 ت بشار)
10بيان الوهم والإيهام (3/ 603 ت الحسين آيت سعيد)
11تهذيب الكمال (33/ 53-56 ت بشار)
12سنن أبي داود (4/ 215 رقم 4341 ط مع عون المعبود)
13سنن الترمذي (رقم 3058 ت بشار)
14صحيح ابن حبان (2/ 108 رقم 385 ت شعيب الأرناؤوط)
15بغية النقاد النقلة (1/ 368 ت محمد خرشافي)
16سنن الترمذي (رقم 2260 ت بشار)
17الكامل في ضعفاء الرجال (6/ 113-114)
18الجرح والتعديل (4/ 202 ط دائرة المعارف العثمانية)
19الكامل في ضعفاء الرجال (6/ 113-114)
20مسند أحمد (1/ 221 رقم 53 ط الرسالة)
21سنن أبي داود (4/ 214 رقم 4338 ط مع عون المعبود)
22سنن الترمذي (رقم 3057 ت بشار)
شرح الحديث
(كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؟) أي كيف تفهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وهل يدل على ترك إنكار المنكر والاشتغال بالنفس وحدها؟ (أَمَا وَاللهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا) أي سألت من هو أعلم الخلق بمراد الله من كتابه، وهو رسول الله ﷺ. (بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ) أي استمروا في فعل المعروف والأمر به، (وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) أي لينه بعضكم بعضًا عن المنكر، فلا تدل الآية على سقوط هذه الشعيرة، وهذا المعنى ثابت بحديث أبي بكر الصحيح. (حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا) الشح أشد البخل مع الحرص، والمعنى أن يصير الشح قائدًا لصاحبه يعمل بمقتضاه، (وَهَوًى مُتَّبَعًا) أي تصير الأهواء مقدمة على الحق والدليل، (وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً) أي مقدمة على الآخرة وما عند الله، (وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ) أي يستغني الإنسان برأيه ويستعلي به حتى لا يقبل نصحًا ولا يرجع إلى حق، (فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ) أي الزم إصلاح نفسك والقيام بما تقدر عليه إذا بلغ الفساد حالًا تعجز فيها عن التغيير النافع، وليس معناه ترك الأمر بالمعروف مع القدرة؛ فإن أول الحديث نفسه يأمر به، والمعنى الصحيح ثابت بحديث أبي بكر، (وَدَعِ الْعَوَامَّ) أي لا تحمل نفسك ما لا تطيق من إصلاح من لم يعد يقبل الحق إذا عجزت عن التأثير فيه، (فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا) أي ستأتي بعدكم أزمنة شديدة الفتن، (الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ) أي يكون الثبات على الدين فيها شديدًا على النفس، وهذه الجملة وردت من طرق أخرى لكنها لا تخلو من ضعف، (لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ) أي يذكر الحديث ثوابًا مخصوصًا للعامل زمن الغربة، لكن هذا التحديد بالخمسين لم يثبت بإسناد تقوم به الحجة، فلا يجزم بنسبته إلى النبي ﷺ.