تخريج حديث 1886: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا…»
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:
كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ، فَقَالَ: تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ.”
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:
كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ، فَقَالَ: تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ.”
احتج البخاري بأصل حديث علي،1 واحتج به مسلم،2 وأصلح أبو داود رواياته وسكت عنها،3 وأخرجه النسائي،4 وصحح أحمد شاكر إسناد رواية أحمد التي فيها «وأنثييه».5 وصححها الألباني.6
لكن أعل الدبيان زيادة «وأنثييه»7 وأعل العيني بعض طرق اللفظ بالإرسال وغيره،8 وانتهى العدوي مع بعض الباحثين إلى شذوذ (أنثييه) و (مذاكيره).9
أصل الحديث صحيح مشهور عن علي رضي الله عنه، وقد جاء من وجوه متعددة عنه، وليس النزاع في أصل حكم المذي، وإنما في زيادة «وَأُنْثَيَيْهِ».
فرواه البخاري،1 من طريق زائدة بن قدامة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن علي رضي الله عنه، وفيه: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ»، وليس فيه غسل الأنثيين. ورواه مسلم،2 من طريق الأعمش، عن المنذر بن يَعْلَى الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي رضي الله عنه، وفيه: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ»، وليس فيه «وأنثييه». وهذه من أصح طرق الحديث.
وجاءت زيادة «وَأُنْثَيَيْهِ» من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن علي. فرواه عبد الرزاق،3 عن معمر وابن جريج، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن علي، وفيه: «فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ».
ورواه أحمد،4 عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن علي، بلفظ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ».5
ورواه أبو داود،6 من طريق زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وفيه: «لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ».7 ثم قال أبو داود: «ورواه الثوري وجماعة، عن هشام، عن أبيه، عن المقداد، عن علي، عن النبي ﷺ»، وذكر أيضًا اختلاف أصحاب هشام في إسناده.8
ورواه النسائي،9 من طريق جرير بن عبد الحميد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن علي، بلفظ: «يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»، ولم يأت فيه بلفظ «أنثييه» صريحًا.10
وهذا الطريق معلول بالانقطاع؛ فإن عروة بن الزبير لم يسمع من علي رضي الله عنه، وقد نص على ذلك أبو حاتم وأبو زرعة، ونقله أهل العلل. ولهذا لا يكفي تعدد أصحاب هشام عنه لتصحيح زيادة «وأنثييه» من هذا الوجه؛ إذ المدار على عروة عن علي، وهو منقطع.
وجاءت الزيادة من طريق آخر عن علي، من رواية شريك بن عبد الله، عن الرُّكَيْن بن الربيع، عن حُصين بن قبيصة، عن علي. رواه أحمد،11 وفيه: «فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ، وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». لكن هذه الزيادة منكرة في هذا الطريق؛ لأن شريكًا سيئ الحفظ، وقد خالفه الثقات عن الرُّكَيْن، كزائدة بن قدامة وسفيان الثوري وعبيدة بن حميد، فرووا الحديث ولم يذكروا غسل الأنثيين.
وجاءت زيادة غسل الأنثيين من طريق عَبِيدة السَّلماني عن علي رضي الله عنه؛ رواه أبو عوانة،12 من طريق سليمان بن حَيَّان أبي خالد الأحمر، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السَّلماني، عن علي رضي الله عنه، وفيه: «يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ وَذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ». وهذا أحسن أسانيد زيادة الأنثيين من جهة الاتصال، حتى قال ابن حجر: «وإسناده لا مطعن فيه».13
لكن أبا خالد الأحمر سليمان بن حَيَّان، وإن وثقه جماعة، قد تُكلم في حفظه؛ فقال يحيى بن معين: «صدوق وليس بحجة»،14 وقال ابن عدي: «وأبو خالد الأحمر له أحاديث صالحة، وإنما أُتي هذا من سوء حفظه، فيغلط ويخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين: صدوق وليس بحجة».15
وروي أيضًا من طريق عطاء، عن عائش بن أنس، عن علي. وقد اختلف فيه؛ فرواه معمر وغيره، وجاء في بعض ألفاظه: «يغسل ذكره وأنثييه»، بينما جاء عند عبد الرزاق من طريق معمر، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس بلفظ: «ليغسل ذكره وليتوضأ»، من غير ذكر الأنثيين.16 ونقل العقيلي اختلاف ابن عيينة ومعمر وعمرو بن دينار فيه، فلا يستقيم جعل هذا الوجه وحده حاسمًا في إثبات الزيادة.
فطرق حديث علي التي جاء فيها «وأنثييه» لا تسلم من علة: طريق عروة منقطع، وطريق شريك منكر لمخالفته الثقات، وطريق أبي خالد الأحمر فيه راو يخطئ وقد جاء بالزيادة على خلاف المحفوظ المشهور، وبقية الطرق لا تخلو من اختلاف.
لكن زيادة غسل الأنثيين لها شاهد مستقل من غير حديث علي؛ رواه أبو داود،17 وابن الجارود،18 وأحمد من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال في المذي: «فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ».19
ومدار هذا الشاهد على معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حَرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري. وقد اختلف في حَرام بن حكيم؛ فضعفه بعضهم أو جهّل حاله، ولذلك طعن عبد الحق الإشبيلي في هذا الإسناد، وتابعه ابن القطان في أصل الاعتراض من جهة حال حرام، مع مناقشته في ذلك. وفي المقابل صحح النووي إسناده،20 وقال ابن دقيق العيد عنه: «هذا الحديث أجود»،21 وذكر ابن سيد الناس له متابعة.22
(كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) كان علي رضي الله عنه كثير خروج المذي منه، والمذي ماء رقيق لزج يخرج عند تحرك الشهوة، وليس هو المني (فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ) لم يسأله بنفسه، بل وكّل غيره بالسؤال عن حكمه (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) استحيا أن يسأل النبي ﷺ مباشرة عن أمر يتعلق بالشهوة والطهارة؛ لأن فاطمة رضي الله عنها ابنة النبي ﷺ كانت زوجته (فَسَأَلَ) سأل الرجل النبي ﷺ عن حكم المذي (تَوَضَّأْ) المذي ناقض للوضوء، فيجب الوضوء منه للصلاة، ولا يوجب الغسل من الجنابة (وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) اغسل الذكر مما أصابه المذي، لأنه نجس، ويغسل ما أصاب البدن منه.