تخريج حديث 1890: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ…»
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ.”
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ.”
احتج به مسلم،1 وأصلحه أبو داود،2 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».3 وأورده ابن حبان في «صحيحه».4 وقال الدارقطني: «رفعه صحيح، وهو محفوظ عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا».5 وقال أبو نعيم: «ثابت مشهور من حديث جابر».6
لكن قال أبو زرعة في رواية أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر مرفوعًا: «هذا خطأ»، وذكر أن بعض الثقات رواه عن حماد على الشك في السماع من عمرو، عن جابر موقوفًا، وقال أبو حاتم: «وكأن بالشك غير مرفوع أشبه».7 وهذا التعليل إنما هو لطريق عمرو بن دينار عن جابر، لا لأصل الحديث؛ فقد نص الدارقطني بعد حكاية اختلافهم على أن رفع الحديث صحيح محفوظ من طريق أبي الزبير عن جابر.8
رواه مسلم،1 من طريقين صحيحين مستقلين عن جابر؛ فرواه من طريق جرير بن عبد الحميد، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، قال: سمعت جابرًا يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ». ورواه من طريق الضحاك بن مخلد أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»؛ فصرح ابن جريج بالتحديث عن أبي الزبير، وصرح أبو الزبير بالسماع من جابر، وصرح جابر بالسماع من النبي ﷺ، فانتفت شبهة التدليس في هذا الطريق.
ورواه الترمذي،2 من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بلفظ: «بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وبلفظ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ أَوِ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وروى أيضًا من طريق سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».3
ورواه أبو داود،4 من طريق وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا بلفظ: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وسكت عنه أبو داود؛ فهو صالح عنده بحسب شرطه.
ورواه النسائي،5 من طريق محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بلفظ: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ». ورواه ابن حبان،6 من طريق محمد بن كثير العبدي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بلفظ مثله، فأورده في «صحيحه».7
ورواه أحمد من طريق معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعًا: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وإسناده قوي على شرط مسلم.8 ورواه أيضًا من طريق سُرَيْج بن النعمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ - أَوِ الْكُفْرِ - تَرْكُ الصَّلَاةِ».9
وروي عن جابر أيضًا من طريق عمرو بن دينار، واختلف فيه على حماد بن زيد؛ فرواه أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر، مرفوعًا: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، رواه أبو يعلى،10 والطبراني.11
وخالف أبا الربيع جماعة في روايتهم عن حماد بن زيد؛ فرواه القواريري عن حماد، قال: حدثني عمرو، أو بعض أصحابي عن عمرو، عن جابر موقوفًا، ورواه ابن حساب عن حماد على الشك في السماع وموقوفًا، ورواه إسحاق بن أبي إسرائيل عن حماد: سمعت من عمرو، أو حدثني أخي سعيد عنه، عن جابر موقوفًا. ولذلك قال أبو زرعة في رفع أبي الربيع: «هذا خطأ»، وقال أبو حاتم: الوجه المشكوك فيه غير المرفوع أشبه.12
وحكى الدارقطني هذا الاختلاف بعينه في طريق عمرو بن دينار، ثم ذكر أنه روي مرفوعًا أيضًا عن سفيان الثوري ومعمر عن عمرو بن دينار، ثم قال: «ورفعه صحيح، وهو محفوظ عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا».13 فتعليل أبي زرعة وأبي حاتم لطريق حماد عن عمرو لا يقدح في أصل الحديث؛ لأن طريق أبي الزبير ثابت مستقل، وقد أخرجه مسلم مع التصريح بالسماع، فضلًا عن الطريق الآخر الصحيح عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر.
فالحديث محفوظ عن جابر من وجهين أصليين صحيحين: طريق أبي سفيان طلحة بن نافع عنه، وطريق أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس عنه. وقد احتج مسلم بالطريقين، وصرح في طريق أبي الزبير بالسماع في جميع مواضع التدليس. وأما طريق عمرو بن دينار فقد وقع فيه اختلاف في الرفع والوقف، ورجح أبو زرعة وأبو حاتم وقفه من طريق حماد بن زيد، وهذا لا يؤثر في الحديث؛ لأن المرفوع محفوظ من الطرق الصحيحة الأخرى. فالحديث مرفوع صحيح بلا إشكال معتبر.
(إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ) أي إن الحد الفاصل والحاجز بين المسلم وبين الوقوع فيما بعده هو ترك هذه الشعيرة العظيمة. (وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ) جمع النبي ﷺ بين الشرك والكفر تعظيمًا لخطر ترك الصلاة وبيانًا أن تركها من أعظم ما يقرب صاحبه من وصف أهل الكفر، وقد اختلف أهل العلم في تارك الصلاة تكاسلًا مع إقراره بوجوبها؛ فمنهم من حمل الحديث على الكفر الأكبر إذا تركها بالكلية، ومنهم من حمله على التغليظ والكفر العملي ما لم يجحد وجوبها، وأما من جحد فرضيتها بعد قيام الحجة عليه فكافر بإجماع المسلمين. (تَرْكَ الصَّلَاةِ) أي أن الصلاة أعظم شعائر الإسلام العملية بعد الشهادتين، فجعل النبي ﷺ تركها حدًا فاصلًا بين الإيمان والكفر، وفي الروايات الأخرى: «بين الكفر والإيمان ترك الصلاة»، و«ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة»، وكلها تؤكد شدة الوعيد في تركها.