تخريج حديث 1891: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ…»
عَنْ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا.”
عَنْ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا.”
ضعيف جدًا بهذا اللفظ، وأصل قوله: «يحب معالي الأمور -أو الأخلاق- ويكره سفسافها» حسن بمجموع طرقه.
صححه الألباني بمجموع الشواهد.1
لكن ذكره ابن عدي ضمن مناكير خالد بن إِلْياس، وقال: «أحاديثه كلها غرائب وأفراد عمن يحدث عنهم، ومع ضعفه يكتب حديثه».2 وقال ابن القيسراني في هذا الحديث فيه: « خالد بن إلياس متروك الحديث».3 وقال الهيثمي: «فيه خالد بن إلياس، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي، وبقية رجاله ثقات».4
رواه الطبراني،1 وابن عدي،2 والخطيب البغدادي،3 من طرق عن خالد بن إِلْياس العَدَوي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهما، مرفوعًا. ولفظ الطبراني وابن عدي: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، ولفظ الخطيب: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلَاقِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».
ورواه القضاعي،4 من طريق علي بن عبد العزيز، عن عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي، عن خالد بن إِلْياس، عن محمد بن عبد الله، عن فاطمة بنت الحسين، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، مرفوعًا؛ فأدخل عليَّ بن الحسين بين فاطمة وأبيها. وهذا مخالف لرواية الطبراني عن علي بن عبد العزيز نفسه، عن القعنبي، فإنه رواه: «عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين» بلا واسطة، وكذلك رواه الخطيب من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، عن القعنبي. فالأشبه أن زيادة «علي بن الحسين» في طريق القضاعي غير محفوظة.
ومدار طريق الحسين على خالد بن إِلْياس، ويقال: ابن إِياس، أبو الهيثم القرشي العدوي المدني، وهو شديد الضعف. قال أحمد: «متروك الحديث»، وقال يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، منكر الحديث»، ولما سئل: يكتب حديثه؟ قال: «زحفًا»، وقال أبو زرعة: «ضعيف ليس بقوي».5 وقال البخاري: «منكر الحديث، ليس بشيء»، وقال النسائي: «متروك الحديث»، وقال في موضع آخر: «ليس بثقة، ولا يكتب حديثه»؛ فليست علة الطريق ضعفًا يسيرًا يقبل الانجبار، بل مداره على راو تركه أحمد والنسائي، وشدد فيه ابن معين والبخاري وأبو حاتم.
ولهذا فطريق الحسين نفسه ضعيف جدًا، ولا يصح أن يقال إن رجاله ثقات؛ فإن خالد بن إلياس هو عين العلة فيه. وتعدد رواية القعنبي والمغيرة بن عبد الرحمن عن خالد لا يرفع هذه العلة؛ لأنهما إنما يتابع أحدهما الآخر على الرواية عن خالد، والخبر في النهاية يدور عليه.
ولأصل الحديث شاهد من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه؛ رواه الطبراني،6 من طريق أحمد بن يونس، عن فضيل بن عياض، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ عز وجل كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا». وصحح الحاكم هذا الوجه، كما صحح له وجهًا آخر عن أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل، وصحح العراقي إسناد حديث سهل.7
لكن وقع اختلاف مهم على أبي حازم؛ فقد رواه عبد الرزاق،8 عن معمر، عن أبي حازم، عن طلحة بن عبيد الله بن كُرَيْز الخزاعي، مرسلًا: «إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ وَمَعَالِيَ الأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا». ورواه البيهقي بهذا الوجه وقال: «هذا مرسل. وكذلك رواه الثوري عن أبي حازم».9 ورواه البغوي من طريق عبد الرزاق ثم قال: «هذا حديث مرسل».10
بل رواه ابن أبي الدنيا من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه أبي حازم، عن طلحة بن كُرَيْز، مرسلًا أيضًا.11 فهذا يقوي أن الوجه المرسل عن أبي حازم محفوظ، ولا سيما مع رواية الثوري له كذلك، ومع رواية عبد الرزاق عن معمر على الإرسال. أما الوصل عن سهل فقد جاء من طرق لا يجوز إهدارها، ولذلك لا أجزم بأنه وهم، لكن الطريق ليس صحيحًا خاليًا من العلة كما يوهم ظاهر بعض التصحيحات؛ إذ الاختلاف بين الوصل والإرسال فيه قوي. وقد تنبه الحاكم نفسه إلى رواية الثوري المرسلة، لكنه رأى أنها لا توهن الموصول بناء على قبوله زيادة الثقة.
وله شاهد آخر من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ رواه الطبراني،12 من طريق عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجَوْن، عن محمد بن صالح المدني التمّار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن محمد بن صالح التمار إلا عبد الرحمن بن سليمان».13 وقال الهيثمي في هذا الطريق: «فيه من لم أعرفه».14 فهو ضعيف بمفرده، لكنه مستقل عن طريق خالد بن إلياس.
وروي عن جابر أيضًا من طريق مبارك بن فَضالة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ رَضِيَ لَكُمْ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ، وَكَرِهَ لَكُمْ سَفْسَافَهَا»، رواه ابن الأعرابي.15 ومبارك بن فضالة صدوق مدلس، وقد رواه بالعنعنة، فطريقه لا يستقل بالاحتجاج، لكنه يصلح في أصل الاعتبار.
وجاء من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بنحو ذلك، إلا أن طريقه يدور كذلك على خالد بن إلياس، فلا يصلح شاهدًا مستقلًا لطريق الحسين؛ لأن العلة واحدة. وهذه قاعدة مهمة: اختلاف الصحابي لا يجعل الطريق شاهدًا إذا رجع الإسناد في موضع العلة إلى الراوي نفسه.
فالحديث عن الحسين بن علي بهذا اللفظ يدور على خالد بن إلياس، وهو شديد الضعف، وقد تفرد فيه بزيادة: «وَأَشْرَافَهَا»، فلا يصح تقوية هذه الزيادة بالشواهد التي ليس فيها هذا اللفظ. وأما أصل قوله: «يحب معالي الأمور» أو «معالي الأخلاق، ويكره سفسافها»، فقد جاء من مرسل طلحة بن كُرَيْز من أوجه محفوظة، وجاء موصولًا عن سهل مع الاختلاف فيه، وله طرق مستقلة ضعيفة عن جابر؛ فهذه الطرق يقوي بعضها أصل المعنى، أما رواية الحسين بخصوصها فلا تخرج عن شدة الضعف، ولا تثبت بها زيادة «وأشرافها». فالراجح: الحديث مرفوع ضعيف جدًا بهذا اللفظ، وأصل الجملة دون هذه الزيادة حسن بمجموع طرقها. وهذا أدق من تصحيح لفظ الحسين كله بالشواهد؛ لأن الشاهد لا يثبت لفظًا لم يروه.
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ) أي يحب من الأعمال والأخلاق ما علا قدره وحسن شرعًا، من الإيمان والصدق والعفة والشجاعة والكرم وطلب العلم ونفع الخلق، وليس المراد مجرد كل أمر عظيم في أعين الناس، بل العلو المحمود شرعًا، وأصل هذه الجملة يشهد له ما تقدم من الطرق. (وَأَشْرَافَهَا) أي أرفع الأمور وأكرمها وأفضلها، لكن هذه الزيادة بخصوصها لم أجدها في الشواهد المعتد بها، وإنما جاءت من طريق الحسين الشديد الضعف، فلا تثبت مرفوعة بهذا البحث. (وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا) السَّفْساف: الرديء والحقير والدنيء من الأمور والأخلاق، والمراد ما كان دنيئًا مذمومًا شرعًا، لا أن كل أمر يسير من شؤون الدنيا مكروه لله تعالى؛ فقد تكون الأعمال اليسيرة عظيمة بالنية والإخلاص.