أصلحه أبو داود،1 وقال ابن حجر: «حسن وله شاهد».2 وقال الألباني: «فالإسناد حسن، أو قريب من الحسن».3 وقال محققو المسند: «إسناده حسن في المتابعات والشواهد، جعفر بن ميمون ضعيف يعتبر به، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الجليل... فهو صدوق حسن الحديث».4
لكن قال النسائي عقب إخراجه: «جعفر بن ميمون ليس بالقوي في الحديث».5 وأعله الطريفي.6
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (4/ 324 رقم 5090 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
2نتائج الأفكار (2/ 389 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
3تمام المنة (ص232)
4مسند أحمد (34/ 74 رقم 20430 ط الرسالة)
5السنن الكبرى للنسائي (9/ 212 رقم 10332 ت حسن عبد المنعم شلبي)
6أذكار الصباح والمساء رواية ودراية (ص 61)
تخريج الحديث
رواه أبو داود الطيالسي،1 وأحمد،2 وأبو داود،3 والبخاري في «الأدب المفرد»،4 والنسائي،5 من طرق عن عبد الجليل بن عطية القيسي، عن جعفر بن ميمون التميمي، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه أبي بكرة نُفَيْع بن الحارث رضي الله عنه.
ورواه أبو داود الطيالسي عن عبد الجليل، وصرح عبد الجليل فيه بقوله: «حدثنا جعفر بن ميمون»،6 فانتفت هنا شبهة تدليس عبد الجليل، وقد وصفه البخاري بأنه «يهم في الشيء بعد الشيء»، ووثقه ابن معين، وذكر ابن حبان أنه يعتبر بحديثه عند بيان السماع إذا روى عن الثقات.7 فليست علة الحديث من جهة عبد الجليل؛ إذ ثبت تصريحه بالسماع.
ومدار الحديث على جعفر بن ميمون التميمي، أبي علي، ويقال أبي العوام الأنماطي، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة. وجعفر مختلف فيه، إلا أن كلام النقاد يدل على أنه دون مرتبة من يحتمل تفرده؛ فقال أحمد: «ليس بقوي في الحديث»، وقال يحيى بن معين في رواية: «ليس بذلك»، وقال في أخرى: «صالح الحديث»، وقال في أخرى: «ليس بثقة»، وقال أبو حاتم: «صالح»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال الدارقطني: «يعتبر به»، وقال ابن عدي: «ليس بكثير الرواية... ولم أر أحاديثه منكرة، وأرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء».8
وعبارات أحمد والنسائي وابن معين، مع قول الدارقطني: «يعتبر به»، تدل على أن جعفر ليس متروكًا ولا شديد الضعف، وإنما هو ممن يصلح في المتابعة والاعتبار، ولا يكون مجرد تفرده حجة، ولا سيما في ذكر مقيد بوقت وعدد: الصباح والمساء ثلاث مرات. ولهذا كان تعقيب النسائي على هذا الحديث بعينه بقوله: «جعفر بن ميمون ليس بالقوي في الحديث» مهمًا؛ فإنه لم يذكر الجرح مجردًا في كتب الرجال، بل ذكره عقب رواية الخبر نفسه.
وأما تعدد رواية الطيالسي وأحمد وأبي داود والبخاري والنسائي فلا يجعل للحديث طرقًا مستقلة؛ فالجميع يرجع إلى عبد الجليل، عن جعفر بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة. وإنما يفيد ذلك ثبوت الحديث عن جعفر بهذا الوجه، ولا يدفع علة جعفر نفسه.
وقد وقع بعض الاختلاف في مقدار المتن؛ فرواية ابن أبي شيبة من طريق زيد بن الحباب، عن عبد الجليل، عن جعفر، اقتصرت على قوله: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت» غدوة وعشية.9
وأصل قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر... وعذاب القبر» ثابت من غير طريق جعفر بن ميمون؛ فقد رواه أحمد من طريق عثمان الشَّحَّام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ».10 وهذه طريق قوية، وروي مثله في دبر الصلاة. لكنها لا تذكر الصباح والمساء ولا التثليث، فلا تصلح لتصحيح ذلك القيد بل تعله.
وهذا التفريق مهم في قول ابن حجر: «حسن وله شاهد»؛ فالشواهد التي وقفت عليها تثبت بعض ألفاظ الحديث وأصول الأدعية، ولا يثبت بها فيما ظهر لي لفظ: «اللهم عافني في بدني... في سمعي... في بصري» ثلاثًا صباحًا ومساءً بطريق مستقل.
فالحديث مداره على جعفر بن ميمون، وقد تفرد به عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا التقييد، وجعفر قال فيه أحمد والنسائي: «ليس بالقوي»، وقال الدارقطني: «يعتبر به»، وهذا أقرب إلى مرتبة الاعتبار منه إلى احتمال التفرد. ولم أقف على متابعة مستقلة تثبت الجملة الأولى مع قيد التثليث في الصباح والمساء. وأما التعوذ من الكفر والفقر وعذاب القبر فأصله ثابت من طريق صحيح، لكن دون هذا التقييد. لذلك فالراجح أن الحديث بهذا السياق مرفوع ضعيف، وضعفه محتمل غير شديد، ولا يصح جعل الشواهد التي تثبت أصل الدعاء مصححة لقيد الصباح والمساء والتثليث.
المصادر والمراجع
1مسند أبي داود الطيالسي (2/ 199 رقم 909 ت محمد بن عبد المحسن التركي)
2مسند أحمد (34/ 74 رقم 20430 ط الرسالة)
3سنن أبي داود (4/ 324 رقم 5090 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
4الأدب المفرد (ص244 رقم 701 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
5السنن الكبرى للنسائي (9/ 212 رقم 10332 ت حسن عبد المنعم شلبي)
6مسند أبي داود الطيالسي (2/ 199 رقم 909 ت محمد بن عبد المحسن التركي)
7تهذيب الكمال (16/ 400 ت بشار)
8تهذيب الكمال (5/ 115-116 ت بشار)
9مصنف ابن أبي شيبة (117/16 رقم 31145 ت سعد بن ناصر الشثري)
10مسند أحمد (34/ 17 رقم 20381 ط الرسالة)
شرح الحديث
(يَا أَبَتِ، إِنِّي أَسْمَعُكَ تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ) أي سأل عبد الرحمن أباه أبا بكرة رضي الله عنه عن محافظته على هذا الدعاء في أول النهار. (اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي) أي سلّمني من الأمراض والآفات التي تضر البدن وتمنعه من القيام بما خُلق له من الطاعة والمصالح. (اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي) أي أبق علي نعمة السمع صحيحة سليمة مما يفسدها أو يذهبها. (اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي) أي احفظ لي بصري من العلل والذهاب. (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) إقرار بتوحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وهو المناسب لسؤاله العافية؛ إذ لا يملكها على الحقيقة إلا الله. (تُعِيدُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ، وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي) أي يكرر هذه الكلمات ثلاث مرات في أول النهار وثلاثًا في المساء، لكن هذا التقييد بالوقت والعدد لا يثبت على الراجح من هذا الطريق. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ) أي ألتجئ إليك من زوال الإيمان ومن الفقر الذي يفتن صاحبه ويوقعه فيما لا يحل، وأصل هذا التعوذ ثابت من طرق أخرى. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي أطلب منك العصمة من أسباب عذاب القبر ومن العذاب نفسه، وثبوت عذاب القبر معلوم من أحاديث صحيحة كثيرة. (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ) هو موضع رفع الحديث إلى النبي ﷺ. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ) أي أقتدي بطريقته وأتبع هديه، وفيه بيان شدة حرص الصحابة على الاقتداء بالنبي ﷺ، على فرض ثبوت الخبر بهذا السياق.