قال ابن حجر بعد أن ساق طريق إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد إلى عطاء: «وهذا سند قوي إلى عطاء».1 فحكمه إنما هو على صحة الطريق إلى عطاء، لا على اتصال الخبر إلى النبي ﷺ.
المصادر والمراجع
1العجاب في بيان الأسباب (2/ 754 ت عبد الحكيم محمد الأنيس)
تخريج الحديث
رواه الطبري،1 من طريق القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج، عن عطاء بن أبي رباح، به مرسلًا.2
ورواه ابن المنذر،3 من طريق علي بن المبارك، عن زيد، عن ابن ثور، عن ابن جريج، عن عطاء، بنحوه، وفيه: «كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ ذَنْبًا، أَصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بَابِهِ: اجْدَعْ أَنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ، افْعَلْ كَذَا وَكَذَا».4
ورواه الواحدي،5 من طريق إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، عن روح بن عبادة، عن محمد بن عبد الملك بن جريج، عن أبيه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عطاء، بنحوه.6
وعزاه ابن حجر إلى إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد في تفسيريهما، من طريق روح بن عبادة، عن محمد بن عبد الملك بن جريج، عن أبيه، عن عطاء، ثم قال: «وهذا سند قوي إلى عطاء».7 وذكر أنه وجده أيضًا في «تفسير سنيد» من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء.8
فهذه الطرق على اختلاف مخارجها ترجع إلى عطاء بن أبي رباح، وأكثرها من طريق ابن جريج عنه، فلا تعد شواهد مستقلة يتقوى بها الإرسال؛ وإنما تثبت أن الخبر محفوظ عن عطاء.
وعطاء بن أبي رباح إمام ثقة إذا أسند، ولكن العلة هنا في إرساله؛ فهو تابعي لم يسم من حدثه بهذه القصة عن النبي ﷺ. وقد كان النقاد يتشددون في مراسيله خاصة؛ فقال يحيى بن سعيد القطان: «مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب».9 وقال أحمد: «ليس في المرسلات شيء أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كل أحد».10 فلا يكفي قول ابن حجر: «سند قوي إلى عطاء» لتصحيح الخبر؛ لأن القوة تنتهي عند عطاء، ويبقى ما بين عطاء والنبي ﷺ ساقطًا مجهولًا.
وروي قريب من معناه عن ابن مسعود رضي الله عنه من طريق ضعيف؛ رواه الطبري،11 من طريق عمر بن أبي خليفة العبدي، عن علي بن زيد بن جُدعان، قال: قال ابن مسعود: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَذْنَبُوا أَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ الذَّنْبُ وَكَفَّارَتُهُ، فَأُعْطِينَا خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ، هَذِهِ الْآيَةُ».12 وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف الحفظ، قال أحمد: «ليس هو بالقوي»، وقال ابن معين: «ليس بحجة»، وقال أبو حاتم: «ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به».13 وفوق ذلك فإن علي بن زيد لم يدرك ابن مسعود؛ فقد ولد بعد وفاة ابن مسعود بمدة طويلة، فلا يصلح هذا الوجه لجبر مرسل عطاء.
لكن أصل المعنى جاء عن ابن مسعود من طريق أقوى محفوظ؛ رواه الطبري،14 من طريق محمد بن المثنى، عن محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، عن شعبة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمْ ذَنْبًا أَصْبَحَ قَدْ كُتِبَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ الذَّنْبِ عَلَى بَابِهِ»، ثم قال: «مَا آتَاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاهُمْ»، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.15
ورواه إسحاق بن راهويه من طريق النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ضمن خبر مطول، وفي آخره: «وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ أَصْبَحَ وَقَدْ كُتِبَ كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ عَلَى أُسْكُفَّةِ بَابِهِ، فَفَضَّلَكُمُ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَأُمِرْتُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ».16
وهذا الأثر الموقوف عن ابن مسعود مهم في تحرير الخبر؛ فإنه يثبت أصلين: أن من شأن بني إسرائيل أن كفارة بعض الذنوب كانت تكتب على الباب، وأن ما أُعطيته هذه الأمة من الاستغفار والمغفرة خير وأيسر. لكنه لا يتضمن قول المسلمين للنبي ﷺ: «بنو إسرائيل أكرم على الله منا»، ولا تعيين «اجدع أذنك، اجدع أنفك»، ولا أن آيات آل عمران نزلت بسبب هذا السؤال، ولا قوله ﷺ: «ألا أخبركم بخير من ذلك؟». فلا يصح جعل صحة أثر ابن مسعود تصحيحًا لهذه الزيادات في مرسل عطاء.
وجاء أصل قريب من ذلك في مرسل أبي العالية الرياحي؛ رواه الطبري،17 من طريق ابن أبي جعفر، عن أبيه أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا نَبْغِيهَا، مَا أَعْطَاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ...»، وذكر كتابة الخطيئة وكفارتها على الباب.18 وهذا مرسل أيضًا، وفي طريقه أبو جعفر الرازي وفي حفظه ضعف، كما أن سياقه متعلق بموضع آخر، فلا يصلح لإثبات سبب نزول آيات آل عمران، وإنما يشهد لأصل المعنى العام فقط.
فالمحفوظ في الخبر المرفوع أنه مرسل من رواية عطاء بن أبي رباح، وقد صح الطريق إليه، لكن صحة الطريق إلى التابعي لا ترفع علة الإرسال، ولا سيما أن يحيى القطان وأحمد نصا على ضعف مراسيل عطاء خاصة؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد. وأما أثر ابن مسعود فمحفوظ موقوفًا من طريق شعبة وحماد بن سلمة عن عاصم، عن أبي وائل، عنه، وهو يثبت أصل كتابة الكفارة على بني إسرائيل وفضل هذه الأمة بالاستغفار، لكنه لا يثبت التفاصيل الزائدة في مرسل عطاء، ولا يثبت أن الآيات من قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ نزلت بسبب هذه الحادثة. فالراجح أن الخبر بهذا السياق مرسل ضعيف، وأصل بعض معناه ثابت موقوفًا عن ابن مسعود.
المصادر والمراجع
1جامع البيان (7/ 218 رقم 7849 ت أحمد محمد شاكر)
2جامع البيان (7/ 218 رقم 7849 ت أحمد محمد شاكر)
3تفسير ابن المنذر (1/ 380 رقم 917 ت سعد بن محمد السعد)
4تفسير ابن المنذر (1/ 380 رقم 917 ت سعد بن محمد السعد)
5أسباب النزول (ص166 ت عصام بن عبد المحسن الحميدان)
6أسباب النزول (ص166 ت عصام بن عبد المحسن الحميدان)
7العجاب في بيان الأسباب (2/ 754 ت عبد الحكيم محمد الأنيس)
8العجاب في بيان الأسباب (2/ 754 ت عبد الحكيم محمد الأنيس)
9سنن الترمذي (6/ 247 ت بشار)
10شرح علل الترمذي (1/ 539 ت همام عبد الرحيم سعيد)
11جامع البيان (7/ 220 رقم 7850 ت أحمد محمد شاكر)
12جامع البيان (7/ 220 رقم 7850 ت أحمد محمد شاكر)
13الجرح والتعديل (6/ 187 رقم 1021 ط دائرة المعارف العثمانية)
14جامع البيان (9/ 194 رقم 10422 ت أحمد محمد شاكر)
15جامع البيان (9/ 194 رقم 10422 ت أحمد محمد شاكر)
16المطالب العالية (14/ 282 رقم 3465 ط دار العاصمة)
17جامع البيان (2/ 491 رقم 1783 ت أحمد محمد شاكر)
18جامع البيان (2/ 491 رقم 1783 ت أحمد محمد شاكر)
شرح الحديث
(بَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنَّا) زعم القائلون في هذا الخبر أن ما خص به بنو إسرائيل من ظهور كفارات ذنوبهم دليل على زيادة إكرامهم، فرد عليهم بأن ما أعطيت هذه الأمة من باب التوبة والاستغفار خير وأيسر، غير أن هذا الحوار بعينه لا يثبت مرفوعًا. (كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ أَصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بَابِهِ) يظهر له ما يلزمه في التكفير عن ذنبه، وأصل الكتابة على الباب ثابت من أثر ابن مسعود. (اجْدَعْ أُذُنَكَ، اجْدَعْ أَنْفَكَ) الجَدْع القطع، أي اقطع أذنك أو أنفك كفارة للذنب بحسب ما زعمه هذا الخبر، وهذه التفاصيل لا تثبت في الطريق الصحيح عن ابن مسعود، وإنما جاءت في مرسل عطاء. (فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ) هذا إثبات لسبب نزول معين، ولا يثبت؛ لأن طريقه مرسل. (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟) بما هو أيسر وأعظم رحمة من تلك الكفارات، وهو باب الاستغفار والتوبة الذي دلت عليه الآيات، ومعناه تشهد له الآثار الصحيحة، أما هذا اللفظ في هذا السياق فتابع للمرسل الضعيف.