قال المنذري: «رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح، وأبو الشيخ في الثواب، والبيهقي بإسناد حسن».1 وقال العراقي: «إسناده حسن».2 وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح».3 وقال الألباني: «إسناده جيد وهو على شرط مسلم».4
لكن قال أبو حاتم الرازي لما سئل عن هذا الحديث بعينه: «هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ».5 وقال أبو نعيم: «غريب من حديث الأعمش، تفرد به عنه أبو بكر النهشلي».6
المصادر والمراجع
1الترغيب والترهيب (3/ 342 رقم 4351)
2تخريج أحاديث الإحياء (3/ 135)
3مجمع الزوائد (10/ 302 ت حسام الدين القدسي)
4السلسلة الصحيحة (2/ 70 رقم 534 ط مكتبة المعارف)
5علل الحديث لابن أبي حاتم (2/ 101 رقم 1796 ت فريق من الباحثين بإشراف سعد بن عبد الله الحميد وخالد بن عبد الرحمن الجريسي)
6حلية الأولياء (4/ 107 ط السعادة)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي الدنيا،1 والطبراني،2 والشاشي،3 وأبو نعيم،4 والبيهقي،5 من طريق أبي بكر النَّهْشَلي، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، مرفوعًا.
ورواه ابن أبي الدنيا6 من طريق أبي عمر التميمي، عن أبيه، عن أبي بكر النهشلي، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود بنحوه. فلم ينفرد عون بن سلام بروايته عن أبي بكر النهشلي.
وكذلك قال البيهقي بعد روايته من طريق عون بن سلام: «تابعه يحيى بن يحيى عن أبي بكر النهشلي».7 وهذه المتابعة إنما ترفع التفرد عن عون بن سلام، ولا ترفع العلة الأصلية؛ لأن يحيى بن يحيى وعونًا كلاهما يرويان الحديث عن أبي بكر النهشلي، ويبقى أبو بكر هو المتفرد به عن الأعمش.
فالحديث مداره الحقيقي على أبي بكر النَّهْشَلي، عن الأعمش، وأبو بكر مختلف في اسمه، والأقرب أنه عبد الله بن أبي قُطاف. وقد وثقه أحمد فقال: «كوفي ثقة»، ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: «شيخ صالح يكتب حديثه».8 وقال ابن حجر: «صدوق رمي بالإرجاء».9
لكن الكلام هنا ليس في عدالة أبي بكر النهشلي مطلقًا، وإنما في احتمال تفرده عن مثل الأعمش بهذا المرفوع. وقد شدد ابن حبان فيه من جهة ضبطه، وجعل حديثه صالحًا للاعتبار فيما وافق الثقات، لا للاحتجاج بأفراده.10 كما نقل عثمان بن سعيد الدارمي أنه ليس ممن تثبت بروايته سنة لم يأت بها غيره.
وهذا هو الموضع الذي يفسر حكم أبي حاتم؛ فالأعمش إمام حافظ مكثر، وله أصحاب حفاظ كبار كالثوري وشعبة وأبي معاوية وحفص بن غياث، وإسناد «الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود» من أشهر أسانيد الكوفيين، ثم ينفرد أبو بكر النهشلي دون أصحاب الأعمش بهذا الحديث المرفوع، ولا يعرف عن الأعمش من غير طريقه. ولذلك وصفه أبو نعيم بالغريب، ونص على تفرد أبي بكر به، ثم جاء حكم أبي حاتم الخاص على الحديث: «باطل». وهذه علة خاصة مقدمة على الحكم بظاهر الإسناد ورجاله.
وأما قول الهيثمي «رجاله رجال الصحيح»، وقول الألباني «على شرط مسلم»، فهو حكم على ظاهر الرجال، ولا يرد العلة التي أشار إليها أبو حاتم؛ فالراوي قد يكون من رجال مسلم أو ثقة في الجملة، ثم ينكر عليه حديث بعينه بسبب تفرده ومخالفته لما يعرف من حديث شيخه. وهذا من أوضح الأمثلة على الفرق بين صحة الإسناد ظاهرًا وثبوت الحديث بعد نقد العلل.
ولمعنى الحديث شواهد صحيحة كثيرة في خطر اللسان، منها قول النبي ﷺ لمعاذ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ـ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ ـ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»، ومنها حديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». لكن صحة هذه المعاني لا تصحح لفظ «أكثر خطايا ابن آدم في لسانه» بعد حكم أبي حاتم ببطلانه.
فالحديث يدور على أبي بكر النهشلي عن الأعمش، وقد تفرد به عن الأعمش كما نص أبو نعيم، والمتابعة المذكورة عند البيهقي إنما هي لأبي بكر فلا تزيل تفرده عن الأعمش. ومع أن أبا بكر قد وثقه جماعة، فقد تكلم النقاد في ضبطه عند التفرد، وأبو حاتم أعلم بحديث أهل العراق وعلله، وقد حكم على هذا الخبر نفسه بقوله: «هذا حديث باطل». فالراجح على منهج أئمة العلل أن الحديث مرفوع منكر لا يثبت، وإن كان معناه العام في خطر اللسان ثابتًا بأحاديث صحيحة كثيرة.
المصادر والمراجع
1الصمت وآداب اللسان (ص53 رقم 18)
2المعجم الكبير (10/ 197 رقم 10446 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
3المسند (2/ 82 رقم 602 ت محفوظ الرحمن زين الله)
4حلية الأولياء (4/ 107 ط السعادة)
5شعب الإيمان (7/ 16 رقم 4584 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
6الصمت وآداب اللسان (ص53 رقم 18)
7شعب الإيمان (7/ 16 رقم 4584 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
8الجرح والتعديل (9/ 344 رقم 1536 ط دائرة المعارف العثمانية)
9تقريب التهذيب (ص625)
10المجروحين (3/ 145 ط دار الوعي)
شرح الحديث
(أَكْثَرُ خَطَايَا ابْنِ آدَمَ) أي أكثر ما يقع فيه الإنسان من الذنوب والمعاصي، على فرض ثبوت هذا اللفظ. (فِي لِسَانِهِ) أي بسبب ما يصدر عنه من الكلام المحرم؛ كالكذب والغيبة والنميمة والقذف والسب وشهادة الزور والقول على الله بغير علم، غير أن هذا اللفظ المرفوع لا يثبت على الراجح، وإن كان خطر اللسان وكثرة جنايته ثابتين بنصوص صحيحة.