تخريج حديث 1900: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ.”
وثق الحاكم حَنَشًا فقال: «حَنَش بن قيس الرَّحَبي... ثقة»، وقال عن الخبر: «وهذا الحديث قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عذر».1 وتعقب أحمد بن الصديق الغماري الحكم على الحديث بالوضع، ورأى أن أثر عمر شاهد لمعناه.2
لكن قال الترمذي: «حَنَش هذا هو أبو علي الرَّحَبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره».3 وقال العقيلي: «لا أصل له».4 وقال الدارقطني: «حَنَش هذا أبو علي الرَّحَبي متروك».5 وقال البيهقي: «تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرَّحَبي المعروف بحَنَش، وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره».6 وقال ابن الجوزي: «هذا لا يصح».7 وقال ابن حجر في حَنَش: «واه جدًا».8 وضعفه ابن العراقي،9 وقال الألباني: «ضعيف جدًا».10
رواه الترمذي،1 والطبراني،2 والدارقطني،3 والحاكم،4 والبيهقي،5 من طرق عن مُعْتَمِر بن سليمان، عن أبيه سليمان بن طَرْخان التَّيمي، عن حَنَش، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا. ولفظهم متقارب: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ». وهذه الطرق كلها ترجع إلى مُعتمر، فلا تعد مخارج مستقلة للحديث.
ومدار علة الحديث على حَنَش، وهو حُسَين بن قيس الرَّحَبي، أبو علي، وحَنَش لقبه. وقد صرح الترمذي بضعفه عند أهل الحديث،6 وقال الدارقطني: «متروك»،7 وقال البيهقي: «ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره».8 ونقل ابن الجوزي أن أحمد كذبه في رواية، وقال مرة: «متروك الحديث»، وأن يحيى بن معين قال: «ليس بشيء».9 فليس ضعف حَنَش من الضعف اليسير الذي ينجبر بمجرد شاهد في المعنى.
وقد وهم الحاكم في توثيق حَنَش؛ إذ قال: «ثقة»، وتعقبه الذهبي بقوله في معنى كلامه: بل ضعفوه.10 وقد نقل الصنعاني أن الحاكم لم يتابع على توثيقه، وأن أحمد والنسائي والدارقطني قد ضعفوه.11
وللحديث أصل موقوف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ رواه عبد الرزاق،12 والبيهقي،13 من طريق قتادة، عن أبي العالية، عن عمر، أنه قال: «جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ». لكن الشافعي قال: «ليس هذا بثابت عن عمر، هو مرسل»، ووافقه البيهقي فقال: «أبو العالية لم يسمع من عمر».14
وجاء عن عمر من وجه آخر؛ رواه البيهقي،15 من طريق يحيى بن سعيد، عن يحيى بن صُبَيح، عن حُميد بن هلال، عن أبي قتادة العدوي، أن عمر كتب إلى عامل له: «ثَلَاثٌ مِنَ الْكَبَائِرِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِلَّا فِي عُذْرٍ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَالنُّهْبَى». وقال البيهقي: إن أبا قتادة أدرك عمر، فإن كان شهد كتابه فهو موصول، وإلا فإنه بانضمامه إلى الطريق الأول يصير قويًا.16
ولهذا قال ابن حجر عن المرفوع: إن له شاهدًا من قول عمر، لكنه حكم على حَنَش نفسه بأنه «واه جدًا».17 فشاهد عمر يقوي ثبوت المعنى عن عمر رضي الله عنه، ولا يحول رواية حَنَش الواهية إلى حديث مرفوع حسن؛ إذ مدار المرفوع على راو متروك أو شديد الضعف عند أئمة النقد.
أما حكم العقيلي بقوله: «لا أصل له»، وتبعه ابن الجوزي في التشديد، فقد تعقبه أحمد بن الصديق الغماري، وبين أن وجود الخبر عند الدارقطني والبيهقي مع تضعيفهما له، وشاهد عمر، يمنع الجزم بوضعه، وإن بقي المرفوع ضعيفًا.18 وهذا تحرير حسن من جهة التفريق بين «ضعيف جدًا» وبين «موضوع».
فالحديث المرفوع يدور على حَنَش بن قيس الرَّحَبي، وهو شديد الضعف، بل تركه الدارقطني، وصرح البيهقي بأنه لا يحتج بخبره، فلا يثبت الحديث مرفوعًا، ولا يصلح أثر عمر لرفع رواية حَنَش إلى الحسن. وأما معنى أن الجمع بين الصلاتين بلا عذر من الكبائر، فقد روي عن عمر من طريق أبي العالية المرسل، ومن طريق أبي قتادة العدوي، وقد رأى البيهقي أن أحدهما يقوي الآخر؛ فالراجح: المرفوع ضعيف جدًا، والمعنى له أصل قوي موقوف على عمر رضي الله عنه.
(مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) أي جمع صلاتين في وقت إحداهما من غير سبب شرعي يبيح الجمع، أما ما أذن الشرع فيه من السفر أو المرض أو المطر ونحو ذلك مما ثبتت فيه الرخصة فلا يدخل في هذا اللفظ، وقد جاء أثر عمر نفسه بلفظ: «إلا في عذر». (فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ) أي ارتكب أمرًا عظيمًا من الذنوب، لكن هذه الجملة لا تثبت مرفوعة إلى النبي ﷺ بهذا الإسناد، وإنما لها أصل عن عمر رضي الله عنه.