تخريج حديث 1902: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا.»
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا.”
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا.”
أورده ابن حبان في «صحيحه».1 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه».2 وقال النووي: «إسناده صحيح»، وحمل تعليل ابن معين على مسألة تعارض الرفع والوقف، ورجح قبول الرفع لكونه زيادة ثقة.3 وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح».4 وصححه الألباني،5 وقال محققو المسند: «إسناده قوي على شرط مسلم».6 وحسنه ضياء الرحمن.7
لكن قال يحيى بن معين في هذا الحديث بعينه: «لم يرفعه إلا يحيى بن آدم»، ثم قال: «ولا أظن ذا الحديث إلا غلطًا».8 وقال البزار عن الطريق الآخر: «لم يتابع على هذا، وإنما يحفظ عن الأعمش بهذا: إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا».9 وحكم عليه العدوي مع بعض الباحثين بالشذوذ،10 وضعفه السناري.11
رواه ابن أبي شيبة،1 وأحمد،2 وأبو يعلى،3 وابن حبان،4 والحاكم،5 والبيهقي،6 من طريق يحيى بن آدم، عن قُطبة بن عبد العزيز، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر رضي الله عنه، مرفوعًا.
ولفظ أحمد وابن أبي شيبة: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا»، ولفظ أبي يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَوْتِرُوا». وأما لفظ: «أَجْمِرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا» فذكره البيهقي عقب الحديث بقوله: «وروي»، ولم يسق له إسنادًا؛ فلا يعد طريقًا آخر يعضد الحديث.
وقد وقع في مطبوع «المستدرك» سقوط يحيى بن آدم بين محمد بن عبد الله بن نمير وقُطبة، والصواب إثباته؛ فقد رواه أبو يعلى وابن حبان من طريق ابن نمير، عن يحيى بن آدم، عن قُطبة، كما أن البيهقي روى الطريق نفسه عن الحاكم بإثبات يحيى بن آدم.
ورواه البزار من طريق بشر بن آدم، عن يزيد بن عبد العزيز بن سِيَاه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا، بلفظ: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا».7 وهذه الطريق لا تصلح متابعةً سالمةً لطريق قُطبة؛ لأن البزار نفسه نص على أن يزيد لم يتابع على هذا، وأن المحفوظ عن الأعمش هو حديث الاستجمار بالحجارة، لا إجمار الميت.
وبيان ذلك أن الحديث المحفوظ عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر هو: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا»8 (أَجْمِرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ) أي بخِّروه بالعود أو غيره من البخور الطيب؛ فالإجمار هو التبخير بالجمر الذي يوضع عليه الطيب. (ثَلَاثًا) أي تكرر عملية التبخير ثلاث مرات، وهو تفسير لقوله في الرواية الأخرى: «فأوتروا». غير أن تعيين الثلاث سنةً مرفوعة لا يثبت بهذا الحديث.
وقد رواه عن الأعمش أبو معاوية، وجرير، وعيسى بن يونس، وسفيان الثوري؛ وهم من المعروفين بحديث الأعمش.9 وهذه الرواية في الاستنجاء بالحجارة، لا في تبخير كفن الميت.
فاللفظ المحفوظ عن الأعمش هو: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا»، بينما جاء قُطبة ويزيد عنه بلفظ قريب المبنى مختلف المعنى: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثًا». وهذا يفسر نقد البزار، ويقوي حكم ابن معين بأن الحديث غلط.
وقُطبة ويزيد موثقان في الجملة؛ فقد قال أحمد في قُطبة: «شيخ ثقة»، ووثقه ابن معين، وقال أحمد في يزيد: «ثقة، وهو في الثبت مثل قطبة».10 لكن توثيق الراوي لا يمنع الحكم بغلطه في حديث بعينه عند التفرد والمخالفة، ولا سيما مع وجود الرواية المحفوظة عن شيخه من طرق أصح وأكثر.
وأما جواب النووي بأن الرفع زيادة ثقة، فزيادة الثقة لا تقبل قبولًا مطلقًا دون موازنة؛ وابن معين لم يكتف بذكر الاختلاف بين الرفع والوقف، بل حكم على الحديث نفسه بأنه غلط، كما وافق نقد البزار ذلك من جهة المتن المحفوظ عن الأعمش. ولذلك يقدم هذا النقد الخاص على تصحيح الحديث بمجرد ظاهر الإسناد أو كون رجاله من رجال مسلم.
وأصل تبخير ثياب الميت ثابت عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما؛ فقد قالت لأهلها: «أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا مِتُّ، ثُمَّ حَنِّطُونِي، وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا، وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ».11 فهذا أثر موقوف صحيح يثبت أصل إجمار الكفن، لكنه لا يصحح الأمر المرفوع بالتثليث.
(أَجْمِرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ) أي بخِّروه بالعود أو غيره من البخور الطيب؛ فالإجمار هو التبخير بالجمر الذي يوضع عليه الطيب. (ثَلَاثًا) أي تكرر عملية التبخير ثلاث مرات، وهو تفسير لقوله في الرواية الأخرى: «فأوتروا». غير أن تعيين الثلاث سنةً مرفوعة لا يثبت بهذا الحديث.