أورده ابن حبان في «صحيحه»،1 وقال الهيثمي: «رجال الإسنادين رجال الصحيح غير راشد بن سعد وعاصم بن حميد وهما ثقتان».2 وقال البوصيري: «رجاله ثقات».3 وقال الصالحي: «رجاله ثقات».4 وصححه الوادعي،5 وقال الألباني: «إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات».6 وقال محققو المسند: «إسناده صحيح».7
لكن قال البزار في عاصم بن حميد: «روى عن معاذ ولا أعلمه سمع منه»، وقال أيضًا: «لم يكن له من الحديث ما يعتبر به حديثه»، وقال ابن القطان: «لا نعرف أنه ثقة».8
المصادر والمراجع
1صحيح ابن حبان (2/ 414 رقم 647 ت شعيب الأرناؤوط)
2مجمع الزوائد (9/ 25 ت حسام الدين القدسي)
3إتحاف الخيرة المهرة (3/ 415 ت دار المشكاة للبحث العلمي)
4سبل الهدى والرشاد (6/ 6)
5الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (2/ 170)
6السلسلة الصحيحة (5/ 665 رقم 2497 ط مكتبة المعارف)
7مسند أحمد (36/ 376 رقم 22052 ط الرسالة)
8تهذيب التهذيب (5/ 40 ط دائرة المعارف النظامية)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وابن أبي عاصم،2 وابن حبان،3 والطبراني،4 والطبراني،5 من طرق عن صفوان بن عمرو السَّكْسَكي، عن راشد بن سعد المَقْرائي، عن عاصم بن حميد السَّكوني الحمصي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، مرفوعًا.
ورواه أحمد من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن صفوان بن عمرو، بهذا الإسناد، وفيه اللفظ محل البحث: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا».6
ورواه ابن حبان من طريق أبي المغيرة أيضًا، وزاد في السياق أن النبي ﷺ التفت نحو المدينة فقال: «إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِي، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا حَيْثُ كَانُوا»، ثم ذكر بقية الحديث.7 فلفظ «أولى الناس بي المتقون» ثابت من الطريق نفسه.
ورواه الطبراني من طريق أبي المغيرة كذلك، بلفظ: «إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنْكُمُ الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا أَوْ حَيْثُ كَانُوا».8 فالاختلاف بين «أولى الناس بي» و«أوليائي منكم» وبين «وحيث كانوا» و«أو حيث كانوا» اختلاف لفظ لا يغير أصل المعنى.9
ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد، عن معاذ، بالسياق المطول، وفيه: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا حَيْثُ كَانُوا».10 فثبت اللفظ عن صفوان من رواية أبي المغيرة وأبي اليمان، وهما ثقتان.11
وخالف عبد القدوس بن الحجاج في سياق القصة، فرواه عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد، عن معاذ، وذكر بكاء معاذ، ثم قال النبي ﷺ: «لَا تَبْكِ يَا مُعَاذُ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ مِنَ الشَّيْطَانِ»، ولم يذكر لفظ «إن أولى الناس بي المتقون».12 ولا تعد هذه مخالفة قادحة؛ لأنها مجرد اختصار للسياق، وقد ثبتت الجملة من رواية أبي المغيرة، وثبتت من رواية أبي اليمان عند الطبراني، فلا تعارض بين من ذكر بعض الخبر ومن ساقه مطولًا. وهو في الديوان برقم: 1140.
ورواه أحمد من طريق أبي اليمان عن صفوان، عن راشد، عن عاصم بن حميد السكوني، «أن معاذًا» لما بعثه النبي ﷺ، فذكر أول القصة وختمها بقوله: «لَا تَبْكِ يَا مُعَاذُ...» دون الجملة محل البحث.13 وهذه الرواية أيضًا مختصرة، وقد أخرج الطبراني من طريق أبي اليمان نفسه السياق وفيه قوله: «إن أولى الناس بي المتقون»؛ فثبت أن أبا اليمان كان يروي أصل الجملة أيضًا.14
ومدار الحديث على عاصم بن حميد السَّكوني، عن معاذ بن جبل. وعاصم من كبار التابعين الشاميين، قال المزي: «من أصحاب معاذ بن جبل»، وقال الدارقطني: «ثقة»، ولما سئل عن روايته عن معاذ قال: «هو من أصحابه»، وذكره ابن حبان في «الثقات»15 وقال ابن حجر: «صدوق مخضرم». 16 وقد توقف البزار في ثبوت سماعه من معاذ، إلا أن وصف الأئمة له بأنه من أصحاب معاذ، وقول الدارقطني الصريح: «هو من أصحابه»، مع عدم تدليسه، كاف في حمل عنعنته عنه على الاتصال.
وراشد بن سعد المَقْرائي ثقة، وصفوان بن عمرو السَّكْسَكي ثقة، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج ثقة، فلا يظهر في الطريق علة قادحة. وقد صححه جماعة، ولم أقف على إمام متقدم أعله بهذا اللفظ بعلة تقتضي رده.
وللحديث شاهد في المعنى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَوْلِيَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُتَّقُونَ، وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ...» رواه البخاري في «الأدب المفرد»،17 وابن أبي عاصم،18 والبيهقي.19 وإسناده حسن، وهو شاهد قوي لأصل أن الولاية والقرب من النبي ﷺ إنما تكون بالتقوى والعمل، لا بمجرد النسب.20
ويشهد لمعناه أيضًا حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ»؛ احتج به البخاري،21 ومسلم،22 وهذا شاهد للمعنى، لا حاجة إليه في تصحيح طريق معاذ؛ فطريق معاذ قائم بنفسه.
فالحديث يدور على عاصم بن حميد السكوني، عن معاذ، وعاصم من أصحاب معاذ، وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجال الإسناد ثقات. وثبتت الجملة محل البحث عن صفوان بن عمرو من أكثر من وجه، ولا يضر اختصار بعض الرواة للسياق، كما أن اختلاف «أولى الناس بي» و«أوليائي منكم» و«وحيث كانوا» لا يغير أصل الحديث. فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح، وشواهده الصحيحة والحسنة تؤكد معناه، لكنها ليست أصل تصحيحه.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (36/ 376 رقم 22052 ط الرسالة)
2الآحاد والمثاني (3/ 420 رقم 1837 ت باسم فيصل أحمد الجوابرة)
3صحيح ابن حبان (2/ 414 رقم 647 ت شعيب الأرناؤوط)
4المعجم الكبير (20/ 120 رقم 241 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
5مسند الشاميين (2/ 102 رقم 991 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
6مسند أحمد (36/ 376 رقم 22052 ط الرسالة)
7صحيح ابن حبان (2/ 414 رقم 647 ت شعيب الأرناؤوط)
8المعجم الكبير (20/ 120 رقم 241 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
9المعجم الكبير (20/ 120 رقم 241 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
10مسند الشاميين (2/ 102 رقم 991 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
11مسند الشاميين (2/ 102 رقم 991 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
12مسند البزار (7/ 91 رقم 2647)
13مسند أحمد (36/ 378 رقم 22054 ط الرسالة)
14مسند الشاميين (2/ 102 رقم 991 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
15تهذيب الكمال (13/ 481-482 ت بشار)
16تقريب التهذيب (ص471 رقم 3073)
17الأدب المفرد (ص309 رقم 897)
18السنة (1/ 93 رقم 213)
19الزهد الكبير (ص329 رقم 882)
20الأدب المفرد (ص309 رقم 897)
21صحيح البخاري (رقم 5990)
22صحيح مسلم (رقم 215)
شرح الحديث
(لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ) حين أرسل النبي ﷺ معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا وداعيًا (خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوصِيهِ) خرج معه يودعه ويعطيه ما يحتاج إليه من الوصايا في مهمته (وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ) كان معاذ على دابته والنبي ﷺ يمشي معه، وهذا من تواضعه ومحبته له وحرصه على توديعه (يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا) أخبره بما يدل على قرب وفاته، وأن هذه قد تكون آخر مرة يراه فيها (وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَقَبْرِي) لعلك ترجع بعد وفاتي فتمر بمسجدي وموضع قبري بدل أن تلقاني حيًّا (فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) بكى معاذ بكاءً شديدًا من الحزن والجزع لفراق النبي ﷺ، لما امتلأ قلبه من محبته (ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ) التفت النبي ﷺ إلى جهة المدينة ليقرر وصيته الجامعة (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ) أقرب الناس إلى النبي ﷺ منزلة ومحبةً واتباعًا هم أهل التقوى، لا مجرد أصحاب الأنساب أو البلدان (مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا) أينما وجد المتقون، ومن أي قوم كانوا، فهم أولى الناس برسول الله ﷺ باتباعهم له واستقامتهم على دينه.
فوائد الحديث
في الحديث أن أخص الناس بولاية النبي ﷺ أهل التقوى والعمل الصالح.
وفيه أن النسب الشريف لا يغني عن صاحبه إذا خالف أمر الله.
وفيه أن فضيلة آل البيت لا تعني أن مجرد القرابة تكفي دون الإيمان والتقوى.
وفيه أن ميزان التفاضل الشرعي هو التقوى، لا الجنس ولا البلد ولا القبيلة.
وفيه أن ولاية النبي ﷺ لأتباعه لا تختص بمكان؛ فمن اتقاه الله واتبع رسوله فهو من أوليائه حيث كان.
وفيه تواضع النبي ﷺ؛ إذ خرج يشيع معاذًا وهو راكب والنبي ﷺ يمشي إلى جانب راحلته.
وفيه علم من أعلام نبوته ﷺ؛ إذ أخبر معاذًا أنه قد لا يلقاه بعد ذلك العام، فكان الأمر كما أخبر.