تخريج حديث 1906: «جَهْدُ الْبَلَاءِ أَنْ تَحْتَاجُوا إِلَى…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
جَهْدُ الْبَلَاءِ أَنْ تَحْتَاجُوا إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَتُمْنَعُوا.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
جَهْدُ الْبَلَاءِ أَنْ تَحْتَاجُوا إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَتُمْنَعُوا.”
رواه الديلمي1 من طريق ابن لال، نا أبو داود سليمان بن يزيد بن سليمان القزويني، نا علي بن أبي طاهر، نا هارون بن عيسى بن إبراهيم الهاشمي نا أحمد بن عبد الأعلى، نا أبو عبد الله اليَشْكُرِي، نا ميمون بن مِهْران عن عبد الله بن عباس رفعه.
وإسناده مسلسل بالمجاهيل، وهارون بن عيسى، أبو جعفر الهاشميّ المنصوري، ذكره الدّارقطنيّ فقال: ليس بالقوي.2
ورواه ابن أبي الدنيا موقوفًا على ابن عباس، من طريق أبي الحسن، عن أبي عبد الله اليشكري، عن ميمون بن مهران، قال: قال ابن عباس: «جَهْدُ الْبَلَاءِ: أَنْ تَحْتَاجُوا إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَيَمْنَعُوكُمْ».3
ومداره كذلك على أبي عبد الله اليشكري عن ميمون بن مهران، وهي الطبقة نفسها التي جاء منها المرفوع، إلا أن إسناده لا يثبت أيضًا؛ ففيه «أبو الحسن» غير مسمى في الرواية، وأبو عبد الله اليشكري لم يتحرر لي من هو على وجه تقوم به الحجة. فلا يصح أن نجزم بأن الموقوف هو المحفوظ اعتمادًا على هذه الطريق، كما لا يجوز إغفال وجوده عند الحكم على الرفع.
وقد نقل أحمد بن الصديق الغماري طريقًا آخر عن ميمون بن مهران بسياق أطول، وفيه أن أصحاب النبي ﷺ اختلفوا في معنى جهد البلاء: فمنهم من قال القتل، ومنهم من قال الفقر، ومنهم من قال الصلب، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: «كُلُّ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ شَدِيدٌ، وَلَكِنْ جَهْدُ الْبَلَاءِ أَنْ تَحْتَاجَ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَيَمْنَعُونَ». رواه البندهي من طريق أبي يعلى النسفي، عن محمد بن زكريا، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس.4 لكن محمد بن زكريا هو ابن دويد الكندي، قال الذهبي: «لا أدري من هذا»، وله خبر باطل.
ولا يقوي الحديثَ ما ثبت في الصحيح من التعوذ من «جهد البلاء»؛ فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ»، وهو حديث صحيح موجود في «ديوان الحديث» برقم 1494. وإنما يثبت بهذا أصل الاستعاذة من جهد البلاء، أما تفسير «جهد البلاء» خصوصًا بأنه الحاجة إلى ما في أيدي الناس ثم منعهم، فلا يثبت مرفوعًا بهذا الحديث.
فالحديث المرفوع يدور على طريق مظلم إلى أبي عبد الله اليشكري، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، وفي رجاله من لم يعرف، وفيهم هارون بن عيسى وقد قال فيه الدارقطني: «ليس بالقوي». وجاء موقوفًا على ابن عباس من الطريق نفسه في طبقته السفلى، إلا أن إسناد الموقوف لا يثبت كذلك، وجاء مرفوعًا من وجه آخر عن ميمون وفيه محمد بن زكريا بن دويد وهو مجهول الحال، ولم يتحرر بقية إسناده. ولم نقف على طريق صحيح أو حسن مستقل يشهد لهذا التفسير بخصوصه؛ فالراجح أن الحديث مرفوع ضعيف، ولا يثبت عن النبي ﷺ، وإن كان المعنى في نفسه صحيحًا من جهة أن افتقار الإنسان إلى الناس ثم منعهم إياه من أشد أحوال الحاجة والذل.
(جَهْدُ الْبَلَاءِ) أي غاية الشدة والمشقة التي تثقل على الإنسان، وقد ثبت أصل الاستعاذة منه في السنة الصحيحة. (أَنْ تَحْتَاجُوا إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ) أي أن يبلغ الإنسان من الفقر والحاجة مبلغًا يفتقر معه إلى مال غيره وعطائه. (فَتُمْنَعُوا) أي تسألونهم مع شدة حاجتكم ثم لا يعطونكم، فيجتمع على المرء ألم الفقر والحاجة، وذل السؤال، ثم ألم الرد والمنع؛ غير أن هذا التفسير بخصوصه لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ.