تخريج حديث 1908: «اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ؛ فَإِنَّهُ…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ هُدِمَ مَرَّتَيْنِ، وَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ هُدِمَ مَرَّتَيْنِ، وَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ.”
أورده ابن حبان في «صحيحه».1 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».2 وأورده الضياء في «المختارة».3 وأورده المنذري بصيغة الجزم.4 وقال الزيلعي: «سفيان بن حبيب من الثقات المشهورين، لم أر أحدًا تكلم فيه، ولا في الحسن بن قزعة».5 وقال الهيثمي: «رجاله ثقات».6 وقال الألباني: «إسناده صحيح».7
لكن أعل البزار رفعه، فقال عقب روايته: «وهذا الحديث لم نسمع أحدًا يحدث به إلا الحسن بن قزعة، عن سفيان بن حبيب، وقد روي عن حماد، عن حميد، عن بكر، عن ابن عمر موقوفًا».8 ورجح وقفه كل من آل عيد،9 والعدوي مع بعض الباحثين.10
رواه البزار،1 وابن خزيمة،2 وابن حبان،3 والطبراني،4 من طريق الحسن بن قزعة، عن سفيان بن حبيب، عن حُميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المُزَني، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا.
وتابع الحسنَ بن قزعة على روايته عن سفيان بن حبيب عمرو بن عون؛ فرواه الحاكم،5 عن محمد بن عيسى بن السكن، عن عمرو بن عون، عن سفيان بن حبيب، بهذا الإسناد مرفوعًا. فثبت أن رفع الحديث محفوظ عن سفيان بن حبيب نفسه، وليس وهمًا من الحسن بن قزعة.
ومدار الوجه المرفوع على سفيان بن حبيب، عن حُميد الطويل. وسفيان بن حبيب ثقة، ولذلك صحح ظاهر إسناده جماعة من المتأخرين، إلا أن العلة ليست في ضعف سفيان، وإنما في مخالفته لمن هو أخص بحُميد وأثبت في حديثه.
فقد قال البزار بعد إخراجه للوجه المرفوع: «وقد روي عن حماد، عن حميد، عن بكر، عن ابن عمر موقوفًا».6 والمراد بحماد: حماد بن سلمة، وهو إمام ثقة، وله مزية خاصة في حديث حُميد الطويل؛ قال أحمد بن حنبل: «حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثًا»، وقال أيضًا: «حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا».7 وقال أحمد كذلك: «حميد يختلفون عنه اختلافًا شديدًا... ولا أعلم أحدًا أحسن حديثًا عنه من حماد بن سلمة».8
وخالف سفيانَ بن حبيب كذلك يزيدُ بن هارون؛ فرواه ابن أبي شيبة،9 عن يزيد بن هارون، عن حُميد، عن بكر بن عبد الله المُزَني، عن عبد الله بن عمر موقوفًا: «تَمَتَّعُوا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، فَإِنَّهُ سَيُرْفَعُ وَيُهْدَمُ مَرَّتَيْنِ، وَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ». وفي بعض نسخ «المصنف»: «عبد الله بن عمرو» بالواو، بينما جاء في متن طبعة الشثري «عبد الله بن عمر»، ونبه المحقق إلى اختلاف النسخ في ذلك. كما نقل الزيلعي،10 والسخاوي،11 رواية ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر موقوفًا.
وجاء في كتاب الفتن من «المصنف» الاسم: «عبد الله بن عمرو»، بالسند نفسه: يزيد بن هارون، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزني.12 وهذا يؤكد وجود اختلاف قديم في تعيين الصحابي في بعض نسخ الوجه الموقوف، فلا ينبغي طمس هذا الاختلاف، وإن كان البزار قد حكى رواية حماد بن سلمة موقوفة على ابن عمر نفسه، وهو شاهد قوي على أن أصل الاختلاف إنما هو في الرفع والوقف، لا في مجرد اسم الصحابي.
فالاختلاف على حُميد الطويل على وجهين: رواه سفيان بن حبيب عنه مرفوعًا، ورواه حماد بن سلمة عنه موقوفًا، ورواه يزيد بن هارون عنه موقوفًا أيضًا. وسفيان ثقة، لكن حماد بن سلمة أخص بحُميد، وقد وصفه أحمد بأنه «أثبت الناس في حميد» و«أعلم الناس بحديث حميد وأصح حديثًا»، ثم انضم إليه يزيد بن هارون في الوقف. وهذا يجعل الوقف أرجح من الرفع على طريقة أئمة العلل، ولا يكفي في دفع هذه المخالفة أن يكون إسناد سفيان صحيح الرجال.
ويؤكد ذلك أن ابن خزيمة، مع إيراده الحديث في «صحيحه»، وصفه قبل سنده بأنه «خبر غريب غريب».13 وأن البزار، وهو من المتقدمين، لم يسكت عن طريق الرفع بل نبه مباشرة إلى الوجه الموقوف عن حماد.14 فهذه قرينة نقدية أخص من مجرد تصحيح الإسناد ظاهرًا.
وأما قول الحاكم: «على شرط الشيخين» ففيه نظر؛ فإن سفيان بن حبيب لم يخرج له البخاري ولا مسلم، وإن كان ثقة في نفسه، فتصحيح الرجال شيء، وترجيح الوجه المرفوع عند الاختلاف شيء آخر.
وجاء معنى قريب من هذا الخبر من قول كعب وغيره في هدم البيت ورفعه، كما وردت أخبار موقوفة في هذا الباب، وهذا يمنع أيضًا من إعطاء الموقوف حكم الرفع بمجرد تعلقه بأمر غيبي؛ إذ كان مثل هذا الباب مما ينقل فيه عن أهل الكتاب. فلا يصح أن يقال: حتى لو كان موقوفًا فله حكم المرفوع بإطلاق.
وأما أصل خراب الكعبة في آخر الزمان فثابت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ».15 فهذا يثبت أصل خرابها في آخر الزمان، لكنه لا يشهد لخصوص قوله: «قد هدمت مرتين ويرفع في الثالثة»، ولا يرجح الرفع على الوقف.
فالحديث يدور على حُميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المُزَني، واختلف عليه في رفعه ووقفه؛ فرفعه عنه سفيان بن حبيب، وأوقفه حماد بن سلمة، وهو أثبت الناس في حُميد بنص أحمد، وأوقفه كذلك يزيد بن هارون. وقد نبه البزار نفسه إلى هذا الاختلاف عقب روايته للوجه المرفوع. فمع صحة رجال طريق سفيان، فإن مخالفة من هو أخص بحُميد وأثبت في حديثه تمنع تصحيح الرفع، والراجح أن المرفوع معلول، وأن المحفوظ وقفه على ابن عمر، مع بقاء الاختلاف في بعض نسخ طريق يزيد بين «ابن عمر» و«ابن عمرو». ولهذا فالحكم الأقرب: مرفوع ضعيف، والمحفوظ موقوف.
(اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ) اغتنموا وجود بيت الله الحرام وما يتيسر لكم من قصده بالحج والعمرة والطواف والعبادة، وهذا تفسير لمعنى الأثر على فرض ثبوته مرفوعًا، والمحفوظ وقفه كما تقدم. (فَإِنَّهُ قَدْ هُدِمَ مَرَّتَيْنِ) يذكر الخبر أن البيت سبق أن وقع له الهدم مرتين، وقد اختلف الشراح في تعيين المراد بهاتين المرتين، فلا يجزم بتفصيل ذلك من هذا الخبر مع عدم ثبوت رفعه. (وَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ) لا يبقى بعد الهدم الأخير على حاله المعهودة، وقد فسر ابن خزيمة قوله «في الثالث» بمعنى بعد الثالثة؛ لأن المهدوم لا يسمى بيتًا حتى يبنى.1 وأصل خراب الكعبة في آخر الزمان ثابت في الأحاديث الصحيحة، أما خصوص عدد مرات الهدم والرفع المذكور هنا فمحل الخبر المعلول.