تخريج حديث 1912: «مَنْ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللهِ لَا…»
عن ابن عباس قال:
مَنْ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.”
عن ابن عباس قال:
مَنْ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.”
ورد بلفظ آخر حسنه سعد بن ناصر الشثري طريق عكرمة عن ابن عباس، وقال: «حسن؛ أبو خالد صدوق».1 وقال الحاكم في طريق سعيد بن جبير: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».2
لكن قال الهيثمي في الطريق المرفوع: «فيه أبو شيبة وعمران بن أبي عمران، وكلاهما ضعيف».3 وقال الألباني عن المرفوع: «ضعيف جدًا».4 فالتضعيف هنا للمرفوع، ولا يعارض ثبوت الموقوف عن ابن عباس من طريق آخر.
رواه ابن أبي شيبة،1 والطبري،2 من طريق أبي خالد الأحمر سليمان بن حَيَّان، عن عَمرو بن قيس المُلائي، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، موقوفًا. ولفظ ابن أبي شيبة: «ضَمِنَ اللهُ لِمَنْ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ أَنْ لَا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ»، ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. وجاء عند الطبري بلفظ: «تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة».
وهذا أجود طرق الأثر؛ فعَمرو بن قيس المُلائي ثقة، وعكرمة معروف بالرواية عن ابن عباس، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حَيَّان صدوق، قال ابن معين والنسائي: «ليس به بأس»، وقال أبو حاتم: «صدوق»، إلا أن ابن عدي ذكر أنه يقع له الغلط من سوء حفظه.3
ورواه ابن أبي شيبة،4 من طريق محمد بن فُضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، موقوفًا بلفظ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللهُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾». وقد رواه الحاكم من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، بإسقاط أبي عطاء، وصححه.
وهذا الطريق دون الأول؛ لأن عطاء بن السائب اختلط، ومحمد بن فضيل ممن روى عنه بعد الاختلاط، وقال أبو حاتم في رواية محمد بن فضيل عنه: «فيه غلط واضطراب»، بل ذكر أن عطاء كان يرفع أشياء كان يرويها عن التابعين إلى الصحابة. وقد وقع الاختلاف هنا؛ فرواه بعضهم عن عطاء عن سعيد بن جبير، وبعضهم زاد أباه، وبعضهم جعله عن أبي الضحى، وروي عن عطاء عن ابن عباس بلا واسطة؛ فلا يكون هذا الطريق عمدة في التصحيح، وإن كان معناه موافقًا للطريق المحفوظ عن عكرمة.
ورواه الطبري5 من أوجه أخرى عن ابن عباس بنحوه؛ فمنها طريق حَكَّام الرازي عن أيوب بن موسى، عن عَمرو بن قيس، ومنها طريق فيه «عن رجل عن ابن عباس»، وهذه الطرق لا تزيد أصل الأثر قوة تذكر بعد ثبوت طريق عكرمة، لكنها تؤكد شهرة هذا التفسير عن ابن عباس.
وروي مرفوعًا؛ رواه الطبراني،6 من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه، عن عمران بن أبي عمران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ اتَّبَعَ كِتَابَ اللهِ هَدَاهُ اللهُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَوَقَاهُ سُوءَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...». وهذا الطريق لا يصح؛ قال الهيثمي: «فيه أبو شيبة وعمران بن أبي عمران، وكلاهما ضعيف».7
فالمحفوظ في الخبر أنه من كلام ابن عباس رضي الله عنهما، لا من كلام النبي ﷺ. وأصح طرقه طريق أبي خالد الأحمر، عن عَمرو بن قيس المُلائي، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهو طريق حسن. أما طريق سعيد بن جبير ففيه اختلاف ورواية محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب بعد الاختلاط، فلا يكون هو العمدة. وأما المرفوع إلى النبي ﷺ فضعيف جدًا. وعليه فقول ابن عباس: «ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» موقوف حسن، وأما صيغة «من اقتدى بكتاب الله...» التي عزاها صاحب «المشكاة» لرزين فهي موافقة تمامًا لمعناه، لكن لم أقف على إسنادها بهذا اللفظ.
(مَنْ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللهِ) جعله إمامه واتبعه علمًا وعملًا، وليس المراد مجرد القراءة من غير امتثال، ولذلك جاءت الرواية المسندة: «لمن اتبع القرآن»، وفي الأخرى: «من قرأ القرآن واتبع ما فيه». (لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا) لا يزيغ عن طريق الحق ما دام متبعًا لهدى الله؛ لأن القرآن يهديه إلى الصراط المستقيم (وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ) تكون عاقبته النجاة والسعادة إذا لقي الله على الإيمان والاتباع. (ثُمَّ تَلَا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾) استدل ابن عباس بالآية على هذا المعنى؛ فنفي الضلال ثمرة اتباع الهدى في الدنيا، ونفي الشقاء ثمرة ذلك في الآخرة.