تخريج حديث 1913: «سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ الصَّادِقَ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يَقُولُ: لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ.”
رواه أبو داود،1 والترمذي،2 وأحمد،3 والبخاري في «الأدب المفرد»،4 من طريق شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن أبي عثمان التَّبان مولى المغيرة بن شعبة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.
وقد رواه عن شعبة جماعة، منهم محمد بن جعفر غندر عند أحمد،5 وحفص بن عمر ومحمد بن كثير عند أبي داود،6 وأبو داود الطيالسي عند الترمذي، وعبد الرحمن بن مهدي وغيره، وكلهم رفعوا جملة: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي».
(سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ) كنية النبي ﷺ، وأبو هريرة يذكره بها محبةً وتعظيمًا (الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ) الصادق في خبره، والمصدوق فيما يأتيه من الوحي، فلا يقول عن الله إلا حقًّا (صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ) يشير إلى حجرة النبي ﷺ المعروفة عندهم، تأكيدًا أنه سمع هذا منه مباشرة (لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ) لا تُسلب الرحمة من القلب حتى يصير صاحبه قاسيًا غليظًا لا يرحم ضعيفًا ولا صغيرًا ولا محتاجًا (إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ) إلا من عبد غلب عليه الشقاء، لأن قسوة القلب وذهاب الرحمة علامة فساد داخلي عظيم.
ولم يتفرد شعبة به عن منصور؛ فقد تابعه جرير بن عبد الحميد، فرواه عن منصور، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «ما نزعت الرحمة إلا من شقي». رواه أبو يعلى،8 وروى المزي هذا الطريق في ترجمة أبي عثمان.9 فثبت الحديث عن منصور من غير طريق شعبة أيضًا.
وأما قول شعبة: «كتب إلي منصور»، فليس فيه انقطاع؛ فقد صرح شعبة بأنه قرأ الحديث على منصور، وسأله: «أقول: حدثني منصور؟ فقال: إذا قرأته علي فقد حدثتك به».10
ومدار الحديث على أبي عثمان التَّبان، مولى المغيرة بن شعبة، عن أبي هريرة. وقد اختلف في اسم أبي عثمان، فقيل: سعيد، وقيل: عمران، وروى عنه منصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم، وابنه موسى بن أبي عثمان، وذكره ابن حبان في «الثقات»، واستشهد به البخاري في «صحيحه»، وروى له في «الأدب المفرد».11 وقال الترمذي عقب الحديث: «وأبو عثمان الذي روى عن أبي هريرة لا يعرف اسمه»، ثم حسن الحديث.12 فجهالة اسمه لا تعني جهالة عينه؛ فقد عُرف بكنيته ونسبته، وروى عنه جماعة، وحسن الترمذي حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات.13
وقد وقع في بعض طرق شعبة عقب هذا الحديث قول أبي هريرة: «من صلى كل يوم ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة»، فوقع الاختلاف في رفع هذه الجملة الثانية، لا في جملة «لا تنزع الرحمة إلا من شقي». فقد روى عبد الرحمن بن مهدي وابن أبي عدي عن شعبة الجملة الأولى مرفوعة، ثم ذكر ابن أبي عدي الجملة الثانية من قول أبي هريرة، وروى عفان وأبو داود الطيالسي عن شعبة الجملة الثانية مع الشك في رفعها، بينما رفعها مسلم بن إبراهيم.14 وأصحاب شعبة لم يختلفوا في رفع الشق الأول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي»، وإنما وقع الاختلاف في الشق الثاني.
فالاختلاف الواقع في حديث الاثنتي عشرة ركعة لا يعل جملة «لا تنزع الرحمة إلا من شقي»؛ فقد رواها أصحاب شعبة عنه مرفوعة، وتابع شعبة جرير بن عبد الحميد عن منصور، وأبو عثمان معروف الرواية وإن اختلف في اسمه، وقد حسن الترمذي الحديث، وحسن ابن القيم سنده؛ فالراجح أن الحديث مرفوع حسن.