تخريج حديث 1915: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ،…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَلْيُصَلِّهُمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ.”
رواه الترمذي،1 وابن خزيمة،2 وابن حبان،3 والدارقطني،4 والحاكم،5 والبيهقي،6 كلهم من طريق عَمرو بن عاصم، عن هَمّام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهُمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ»، أو بنحوه. فالحديث بهذا اللفظ يدور على عَمرو بن عاصم عن هَمّام، وقد نص الترمذي على أنه لا يعلم أحدًا رواه عن هَمّام بهذا السياق غير عَمرو.
(مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) من فاتته سنة الفجر القبلية، وهما الركعتان اللتان تصليان قبل صلاة الصبح (فَلْيُصَلِّهُمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ) فله أن يقضيهما بعد طلوع الشمس وارتفاعها، لأن سنة الفجر من السنن المؤكدة التي يشرع قضاؤها إذا فاتت. والحديث لا يصح.
أورده ابن خزيمة في «صحيحه».1 وأورده ابن حبان في «صحيحه».2 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».3 وجود النووي إسناده.4 وصححه الألباني.5 وحسن شعيب الأرناؤوط إسناده.6
لكن أعلَّه الترمذي فقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، ثم قال: «ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن هَمّام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عَمرو بن عاصم الكِلابي، والمعروف من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح».7 وحكم محققو «المستدرك» في طبعة الرسالة على هذه الرواية بأنها «ضعيف بهذه السياقة»، وعللوها بمخالفة عَمرو بن عاصم لمن روى الحديث عن هَمّام باللفظ المحفوظ.8 وقال آل عيد: «منكر».9
وخالف عَمروَ بن عاصم بَهْزُ بن أسد؛ فرواه عن هَمّام، عن قتادة، بهذا الإسناد، وفيه: «مَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ».8 ووقع عند هَمّام تردد في ذكر النضر بن أنس في هذا الموضع، فقال: «وجدت في كتابي عن بشير بن نهيك، ولا أظنه إلا عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك».9
ورواه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن هَمّام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «مَنْ صَلَّى مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى».10
وجاء عن هَمّام أيضًا من طريق قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «مَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ».11 وتابع هَمّامًا على هذا المعنى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خِلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ولهذا قال الترمذي عقب رواية عَمرو بن عاصم إن «المعروف» من حديث قتادة بهذا الإسناد حديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ».12 وقد بيّن ابن رجب أن الروايات عن هَمّام تدور على هذا المعنى: إدراك ركعة من صلاة الصبح ثم إتمام الصلاة بعد طلوع الشمس، لا قضاء سنة الفجر التي فاتت قبل الفريضة.13
وأما ما رواه ابن ماجه،14 وأبو يعلى،15 وابن حبان،16 من طريق مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ عَنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَقَضَاهُمَا بَعْدَ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ»، فلا يصلح لتقوية هذا اللفظ؛ لأنه خبر عن واقعة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الصبح كلها، وليس أمرًا لمن فاتته سنة الفجر وحدها أن يؤخرها حتى تطلع الشمس. وقد سئل أبو حاتم عن هذه الرواية فقال: «غلط مروان في اختصاره»، وبيّن أن أصل الخبر قصة نومهم في السفر حتى طلعت الشمس، ثم صلوا ركعتي الفجر وبعدهما الفريضة.17
فالحديث بهذا اللفظ تفرد به عَمرو بن عاصم عن هَمّام، وخالفه أصحاب هَمّام فرووه في إدراك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وهو الوجه الذي وصفه الترمذي بأنه «المعروف». وتؤكد ذلك الطرق الأخرى عن قتادة في المعنى نفسه؛ ولذلك فترجيح العلة أقوى من تصحيح ظاهر الإسناد. وأما قصة نوم النبي ﷺ عن الفجر فثابت أصلها، وتثبت بها مشروعية صلاة سنة الفجر مع الفريضة إذا نام عنهما حتى طلعت الشمس، لكنها لا تثبت هذا الأمر المطلق: «من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس».