تخريج حديث 1916: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ.”
رواه عبد الرزاق،1 والبخاري،2 وأبو داود،3 والترمذي،4 من طرق عن مَعْمَر بن راشد، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ».
ورواه البخاري أيضًا من طريق صَفْوان بن سُلَيْم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، مرفوعًا بهذا المعنى.5 فلفظ «الصغير على الكبير» ثابت عن أبي هريرة من غير طريق همام أيضًا.
وأما لفظ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» فرواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، من طرق عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج، قال: أخبرني زِياد بن سعد الخراساني، عن ثابت بن عِياض الأحنف، مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. ورواه مسلم من طريق أبي عاصم وروح بن عبادة عن ابن جريج بهذا الإسناد.
(يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ) أي يبدأ الأصغر سنًا الكبيرَ بالسلام؛ لما في ذلك من توقيره ومعرفة حقه. (وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ) أي يبدأ المارُّ الجالسَ بالسلام؛ لأن المار هو الوارد عليه. (وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) أي إذا التقت جماعة قليلة بجماعة أكثر منها، كان البدء بالسلام من القليل. (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي) أي يبدأ الراكب الماشي بالسلام؛ لما في ذلك من التواضع، ودفع ما قد يقع في النفس من رفعة الراكب على الماشي. (وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ) أي يكون الابتداء من الماشي؛ لأنه الوارد والمقبل على القاعد. وهذه الآداب في بيان الأولى بالابتداء، لا في منع الطرف الآخر من السلام؛ فإن سبق الكبير الصغير، أو القاعد المار، فقد أتى بخير، وإنما الحديث يبين الأكمل في ترتيب الابتداء.
وزِياد المذكور هو زِياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، وثابت هو ثابت بن عِياض الأحنف الأعرج، وقد جاء التصريح باسميهما في طرق الحديث وغيرها.10 وثابت ثقة، معروف السماع من أبي هريرة.
ورواه الترمذي من طريق روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة، بلفظ جمع فيه: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ»، وزاد محمد بن المثنى: «وَيُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ».11 ثم نبه الترمذي إلى علة هذا الطريق فقال: «وقال أيوب السختياني ويونس بن عبيد وعلي بن زيد: إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة».12 فهذا الطريق بعينه منقطع، لكنه ليس عمدة ثبوت الحديث؛ لأن كل ألفاظه ثابتة بأسانيد متصلة صحيحة عن أبي هريرة كما تقدم.
وله شاهد في تسليم الراكب على الماشي والقليل على الكثير من حديث فَضالة بن عُبيد رضي الله عنه، رواه الترمذي بلفظ: «يُسَلِّمُ الْفَارِسُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَائِمِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ»، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».13 وليس الحديث محتاجًا إلى هذا الشاهد في التصحيح؛ لأن أصله ثابت في الصحيحين.
فالحديث ثابت عن أبي هريرة من طريقين صحيحين مشهورين: طريق مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، وفيه «الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير»، وطريق ابن جُرَيْج، عن زِياد بن سعد، عن ثابت بن عِياض، وفيه «الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». ولا ينبغي جعل «والراكب على الماشي» مجرد زيادة في طريق همام؛ بل هي محفوظة من طريق مستقل صحيح عن أبي هريرة. وأما الطريق الذي جمع الألفاظ كلها من رواية الحسن عن أبي هريرة ففيه انقطاع، لكن لا يؤثر ذلك في أصل الحديث؛ لأن الألفاظ محفوظة من الطرق المتصلة الصحيحة.