تخريج حديث 1922: «الْجَارُ سِتُّونَ دَارًا عَنْ يَمِينِهِ،…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَارُ سِتُّونَ دَارًا عَنْ يَمِينِهِ، وَسِتُّونَ عَنْ يَسَارِهِ، وَسِتُّونَ خَلْفَهُ، وَسِتُّونَ قُدَّامَهُ.”
رواه الديلمي1 من طريق أبي بكر ابن مردويه، عن أحمد بن محمد بن نصر، عن عبيد بن الحسن، عن محمد بن معاوية، عن بشر بن إبراهيم الأنصاري، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.
ومدار هذا الطريق في موضع علته على بشر بن إبراهيم الأنصاري البصري المفلوج، وعبد السلام بن أبي الجنوب؛ وكلاهما شديد الضعف.
فأما بشر بن إبراهيم الأنصاري فقال ابن عدي: «وهو عندي ممن يضع الحديث على الثقات»، وقال في رواياته: «كل ذلك بواطيل وضعها عليهم، وكذلك سائر أحاديثه التي لم أذكرها موضوعات عن كل من روى عنهم».2 وقال ابن حبان: «يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه».3
وأما عبد السلام بن أبي الجنوب فقال علي بن المديني: «منكر الحديث»، وقال أبو زرعة: «ضعيف»، وقال أبو حاتم: «شيخ مديني متروك الحديث».4 وقال ابن حبان: «منكر الحديث، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يعجبني الاحتجاج بخبره لمخالفته الأثبات في الروايات».
(الْجَارُ سِتُّونَ دَارًا) أي يزعم الخبر أن حكم الجوار يمتد إلى ستين بيتًا، لكن هذا التحديد لا يثبت عن النبي ﷺ. (عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، وَخَلْفَهُ، وَقُدَّامَهُ) أي من الجهات الأربع المحيطة بالدار، وهذه الصيغة تشبه ما ورد في الروايات الضعيفة والمرسلة في تحديد الجوار بأربعين دارًا، إلا أن رفع الستين إلى النبي ﷺ لا يصح.
وهذه العلة لا تنحصر في مجرد راو لين يمكن أن ينجبر، بل اجتمع في الإسناد رجل اتهمه النقاد بوضع الحديث، مع راو متروك منكر الحديث؛ فلا يصلح هذا الطريق للاعتبار ولا للتقوية.
وقد روي عن أبي هريرة لفظ قريب في تحديد الجوار بأربعين دارًا، رواه أبو يعلى،6 وابن حبان في ترجمة عبد السلام،7 من طريق عبد السلام بن أبي الجنوب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا... يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقُدَّامًا وَخَلْفًا». وهذه الطريق أيضًا شديدة الضعف؛ لأنها تدور على عبد السلام بن أبي الجنوب، وقد أخرج ابن حبان الحديث نفسه مثالًا على مناكيره، وقال ابن حجر فيه: «عبد السلام بن أبي الجنوب... منكر الحديث».8
وروي تحديد الأربعين من حديث كعب بن مالك مرفوعًا، ولكنه ضعيف أيضًا؛ لأن في إسناده يوسف بن السفر، وهو متروك.9
وروي عن عائشة رضي الله عنها في تحديد الجوار بأربعين دارًا من وجهين، وقد ضعف البيهقي كلا الوجهين، ونقل ذلك ابن الملقن.10
وأقوى ما ورد في الباب من جهة الإسناد إلى قائله مرسل الزهري؛ رواه أبو داود11 من طريق هِقْل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يونس، عن ابن شهاب الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ: «السَّاكِنُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ»، ثم قال الزهري في تفسيرها: «أربعون عن يمينه، وعن يساره، وخلفه، وبين يديه». وإسناده إلى الزهري قوي، لكنه مرسل، وقد وصفه البيهقي،12 وابن الملقن،13 بالإرسال. وهذا مهم؛ لأن الرواية المحفوظة المشهورة في الباب إنما جاءت في «أربعين»، لا «ستين»، ومع ذلك لم يثبت رفع تحديد الأربعين أيضًا بإسناد صحيح متصل؛ وإنما ثبت المرسل إلى الزهري، وجاء عن الحسن البصري والأوزاعي نحو تحديد الأربعين من قولهم.
وقد وقع اختلاف في نقل لفظ الديلمي نفسه؛ ففي «زهر الفردوس» و«كشف الخفاء» جاء «ستون دارًا»، بينما نقل السخاوي في بعض نسخ «المقاصد الحسنة»: «ستون ذراعًا».14 والأصل المحفوظ في «زهر الفردوس» عن الديلمي: «ستون دارًا».15
فالحديث بلفظ «الجار ستون دارًا» لا يعرف إلا من هذا الطريق الواهي جدًا، وفيه بشر بن إبراهيم الذي اتهمه ابن عدي وابن حبان بوضع الحديث، وعبد السلام بن أبي الجنوب المتروك المنكر الحديث. ولا يشهد له حديث الأربعين؛ لأن طرقه المرفوعة نفسها ضعيفة، وأقوى ما فيه مرسل الزهري، فضلًا عن أن العدد مختلف. فالراجح أن حديث الستين مرفوع ضعيف جدًا، ولا يثبت به تحديد حد الجوار شرعًا.