قال البيهقي في الطريق الآخر عن أبي هريرة: «هذا إسناد صحيح».1 وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة»، وحسن إسناد طريق أبي هريرة.2 وقال ابن القيم: «إسناده صحيح متصل».3 وقال ابن كثير في حديث الأسود بن سريع: «إسناده جيد قوي صحيح».4 وصححه الألباني،5 والوادعي،6 وحسنه ضياء الرحمن الأعظمي. 7
لكن قال البوصيري في الطريق الذي فيه علي بن زيد بن جُدعان: «سنده ضعيف».8 وعلله بضعف علي بن زيد.9 وقال العدوي مع بعض الباحثين : «في كل طرقه مقالا، ومن حسنه فله وجه».10
المصادر والمراجع
1القضاء والقدر (ص361 رقم 645)
2الأحاديث المختارة (255/4 رقم 1455)
3أحكام أهل الذمة (1149/2)
4جامع المسانيد والسنن (ص443)
5ظلال الجنة في تخريج السنة (176/1 رقم 404)
6الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (47/1)
7الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (737/1)
8إتحاف الخيرة المهرة (178/8)
9إتحاف الخيرة المهرة (178/8)
10سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (1/ 341)
تخريج الحديث
رواه إسحاق بن راهويه،1 وابن أبي عاصم،2 وأبو يعلى -كما في «إتحاف الخيرة»-، من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.3
وهذا الطريق ضعيف بمفرده؛ فعلي بن زيد بن جُدعان ضعيف الحفظ، ولذلك ضعف البوصيري هذا الإسناد بعينه.4 فلا يصح جعل هذا الطريق وحده عمدة الحديث.
لكن تابعه طريق مستقل قوي عن أبي هريرة؛ فرواه أحمد،5 والبيهقي،6 والضياء،7 من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدَّستوائي، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أبي رافع نُفيع الصائغ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، بمثل حديث الأسود بن سريع، وفي آخره: «فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا».8
وأبو رافع هو نُفيع الصائغ المدني نزيل البصرة، وقد روى عنه الحسن البصري وقتادة وعلي بن زيد بن جدعان وغيرهم، وقال ابن سعد: «كان ثقة»، وقال العجلي: «بصري، تابعي، ثقة من كبار التابعين».9 وقد نص المزي في ترجمة الحسن البصري على روايته عن «نُفيع أبي رافع الصائغ».10
فطريق الحسن عن أبي رافع لا تُدفع بدعوى جهالة أبي رافع أو عدم معرفة رواية الحسن عنه؛ فأبو رافع تابعي معروف موثق، ورواية الحسن عنه مثبتة في كتب الرجال،11 وقد صحح البيهقي هذا الإسناد بعينه.12
وللحديث أصل مستقل صحيح من حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه؛ رواه أحمد،13 وابن حبان،14 والطبراني،15 والبيهقي،16 والضياء،17 من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع رضي الله عنه، مرفوعًا بنحوه.18وهذا إسناد قوي لولا قتادة.
وقد وقع الاختلاف على هشام الدَّستوائي؛ فرواه عنه معاذ بن هشام مرة عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع، ومرة عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.19 وليس هذا اختلافًا يوجب رد الخبر؛ لأن كلا الوجهين له مخرج معروف، والأحنف والأسود في الأول معروفان، والحسن وأبو رافع وأبو هريرة في الثاني معروفون، وقد أخرج أهل العلم الوجهين وحكموا بصحتهما أو حسنهما.20
كما أن طريق أبي هريرة لم ينحصر في رواية هشام؛ فقد رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عنه، وإن كان هذا الطريق ضعيفًا بمفرده.21 فتعدد الطريق إلى أبي رافع عن أبي هريرة يؤكد أن أصل الرواية عنه محفوظ، وإن كان طريق علي بن زيد أدنى من طريق الحسن.
ونبه البزار إلى تعدد أصل الخبر فقال بعد رواية أبي هريرة: «وقد روي عن ثوبان، عن النبي ﷺ، وعن الأسود بن سريع من غير وجه، وعن أنس بن مالك، وعن أبي سعيد الخدري».22
فالحديث لا يعتمد على علي بن زيد بن جُدعان؛ وطريقه ضعيف بمفرده، لكن الحديث محفوظ من طريق هشام الدَّستوائي عن قتادة على وجهين، وأقوى وجهيه حديث الأسود بن سريع، وإسناده قوي لولا قتادة، ويعضده طريق أبي هريرة عن الحسن عن أبي رافع.
المصادر والمراجع
1مسند إسحاق بن راهويه (445/1 رقم 514)
2السنة (176/1 رقم 404)
3إتحاف الخيرة المهرة (178/8)
4إتحاف الخيرة المهرة (178/8)
5مسند أحمد (228/26 رقم 16302 ط الرسالة)
6القضاء والقدر (ص361 رقم 645)
7الأحاديث المختارة (255/4 رقم 1455)
8مسند أحمد (228/26 رقم 16302 ط الرسالة)
9تهذيب الكمال (15-16/30 ت بشار عواد معروف)
10تهذيب الكمال (99/6 ت بشار عواد معروف)
11تهذيب الكمال (15-16/30، 99/6 ت بشار عواد معروف)
12القضاء والقدر (ص361 رقم 645)
13مسند أحمد (228/26 رقم 16301 ط الرسالة)
14صحيح ابن حبان (356/16 رقم 7357)
15المعجم الكبير (287/1 رقم 844)
16القضاء والقدر (ص361 رقم 644)
17الأحاديث المختارة (254/4 رقم 1454)
18مسند أحمد (228/26 رقم 16301 ط الرسالة)
19مسند أحمد (228/26 رقما 16301-16302 ط الرسالة)
20القضاء والقدر (ص361 رقما 644-645)
21السنة لابن أبي عاصم (176/1 رقم 404)
22البحر الزخار (71/17 رقم 9598)
شرح الحديث
(أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ يُدْلِي عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحُجَّةٍ وَعُذْرٍ) يحتج أربعة بين يدي الله بسبب مانع حال بينهم وبين قيام الحجة عليهم على الوجه المعتاد في الدنيا، (رَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ) مات في زمن لم تبلغه فيه رسالة رسول تقوم بها عليه الحجة، (وَرَجُلٌ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ هَرِمًا) بلغ من الكبر مبلغًا ذهب معه عقله وإدراكه حين وصلت إليه الدعوة، (وَرَجُلٌ أَصَمُّ أَبْكَمُ) لا يسمع ما يبلَّغ إليه ولا يستطيع الكلام، وكان ذلك مانعًا له من إدراك الدعوة، (وَرَجُلٌ مَعْتُوهٌ) من زال عقله أو اختل اختلالًا يمنعه من فهم الخطاب والتكليف، (فَيَبْعَثُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ رَسُولًا) يختبرهم الله في الآخرة بإرسال من يأمرهم بأمره، (فَيَقُولُ: أَطِيعُوهُ) يأمرهم بالانقياد لهذا الرسول ليظهر امتثالهم، (فَيَأْتِيهِمُ الرَّسُولُ لِيُؤَجِّجَ لَهُمْ نَارًا) يوقد لهم نارًا ويشتد لهبها امتحانًا لهم، (فَيَقُولُ: اقْتَحِمُوهَا) ادخلوها امتثالًا لأمر الله وإن خالفت ظاهر ما تهواه النفوس، (فَمَنِ اقْتَحَمَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا) من أطاع ودخلها لم تضره، بل يجعلها الله عليه باردة سالمة من الأذى، (وَمَنْ لَا حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) من امتنع عن الطاعة بعد قيام الحجة عليه استحق العذاب لعصيانه بعد الامتحان، وفي الرواية الأخرى: «ومن لم يدخلها يُسحب إليها».1
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (228/26 رقم 16302 ط الرسالة)
فوائد الحديث
في الحديث أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ 1.
وفيه أن من لم تقم عليه الحجة في الدنيا لعذر معتبر يُمتحن يوم القيامة، وهذا هو ظاهر الحديث الصحيح.
وفيه أن مناط التكليف القدرة على فهم الخطاب وإدراكه، ولذلك ذُكر الهرم الذي زال عقله والمعتوه والأصم الذي لم يتمكن من سماع الدعوة.
وفيه أن الامتحان يوم القيامة يكون طاعةً لأمر الله، فمن أطاع نجا، ومن عصى بعد قيام الحجة استحق العقوبة.