تخريج حديث 1926: «الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيقُ قَبْلَ…»
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَالزَّادُ قَبْلَ الرَّحِيلِ.”
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَالزَّادُ قَبْلَ الرَّحِيلِ.”
نقل المناوي عن السخاوي أنه قال في طرق الحديث: «كلها ضعيفة، لكن بالانضمام يتقوى».1 وقال العجلوني: «كلها ضعيفة، لكن بانضمامها يقوى فيصير حسنًا لغيره».2
لكن قال الزركشي: «أسانيده ضعاف».3 وضعفه السخاوي في «المقاصد الحسنة»، وبيّن ضعف طريق رافع وأن أبان بن المُحَبَّر متروك، وأن سعيدًا لا تقوم به حجة.4 وضعفه الزرقاني،5 والألباني اللفظ الكامل.6
رواه الخطيب البغدادي،1 من طريق عبد الغفار بن عبيد الله بن السري الحُضيني، عن أحمد بن نصر الباهلي، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري، عن عبد الله بن حماد الأنصاري، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مرفوعًا.
وهذا الإسناد ضعيف؛ ففيه إبراهيم بن إسحاق النهاوندي الأحمري، وقد نقل ابن حجر عن الطوسي أنه «كان ضعيفًا في حديثه».2
وروي أصل الجملتين الأوليين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه؛ رواه ابن أبي خيثمة،3 والطبراني،4 وأبو الشيخ،5 والقضاعي،6 من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن أبان بن المُحَبَّر، عن سعيد بن معروف بن رافع بن خديج، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: «التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» أو بنحوه. وليس في هذا الطريق: «والزاد قبل الرحيل».
وهذا الطريق شديد الضعف؛ فإن أبان بن المُحَبَّر متروك، قال الذهبي: «شيخ متروك»، ونقل عن أبي الفتح الأزدي قوله: «متروك الحديث»، وعن أبي حاتم: «ضعيف مجهول»، وعن ابن حبان أنه لا يجوز الاحتجاج به.7 وقال الأزدي في سعيد بن معروف: «لا تقوم به حجة»، غير أن ابن حجر قال بعد ذكره: «أبان متروك فالعهدة عليه».8 ولذلك قال الهيثمي في طريق رافع: «فيه أبان بن المحبر وهو متروك».9
وله شاهد عن علي رضي الله عنه بلفظ قريب؛ ذكر السخاوي أن العسكري رواه من طريق عبد الملك بن سعيد الخزاعي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي رضي الله عنه، في حديث طويل، وفي آخره: «الجار ثم الدار، الرفيق ثم الطريق».10 وهذا لا يتضمن جملة «والزاد قبل الرحيل» كذلك.
وروي كذلك من حديث خُفاف بن نُدبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «ابتغ الرفيق قبل الطريق...»؛ ذكره الخطيب، ونقله السخاوي،11 والعجلوني،12 ضمن شواهد الباب، لكنه شاهد لجملة الرفيق خاصة، لا للحديث بجميع ألفاظه.
فالطرق لا تتساوى في الألفاظ: طريق رافع يشهد لـ«الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق»، وطريق خفاف يشهد لجملة «الرفيق قبل الطريق»، والشاهد الآخر عن علي فيه «الجار ثم الدار، الرفيق ثم الطريق»، أما «والزاد قبل الرحيل» فلا يظهر لها شاهد مستقل في هذه الطرق؛ وإنما وردت في إسناد علي الذي أخرجه الخطيب، وهو ضعيف. ولذلك فإن تحسين المعنى المشترك لبعض الطرق له وجه عند من يقويها بالانضمام، أما ترقية اللفظ الكامل: «الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، والزاد قبل الرحيل» إلى الحسن لغيره ففيه نظر؛ لأن الشاهد إنما يقوي القدر الذي وافق فيه، ولا يصح أن نجعل الشواهد للجملتين الأوليين شاهدة للجملة الثالثة. وهذا هو الأقرب في الحكم على اللفظ الذي بين أيدينا.
(الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ) على فرض ثبوت الحديث، المقصود أن من أراد اختيار مسكن فليعتن بحال الجيران قبل عنايته بالدار نفسها؛ لما للجار من أثر في راحة السكن وأذاه، (وَالرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ) ينبغي للمسافر أن يحسن اختيار من يصحبه قبل الشروع في السفر؛ لأن الرفيق يعينه عند الحاجة والمشقة، (وَالزَّادُ قَبْلَ الرَّحِيلِ) الاستعداد للسفر يكون قبل الانطلاق بإعداد ما يحتاج إليه المسافر من مؤونة ونحوها، ولا ينافي ذلك التوكل على الله.1 غير أن هذه الجملة الأخيرة لا تثبت مرفوعة بهذا الحديث.