تخريج حديث 1929: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ.»
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ.”
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ.”
حسن ابن كثير الحديث بمجموع ما جاء في الباب، فقال بعد نقل تضعيف علي بن المديني: «هذه الطرق تقوى بالأولى كما أن تلك تقوى بهذه فيحسن الحديث».1
لكن قال علي بن المديني: «هذا حديث كوفي ضعيف الإسناد منكر، مع أنه منقطع من قبل سعيد بن المسيب».2 وقال العقيلي: «لا يتابع عليه أحد بهذا اللفظ».3 وذكره ابن عدي ضمن مناكير علي بْن سالم،4 وقال البيهقي: «تفرد به علي بن سالم عن علي بن زيد»، ثم نقل قول البخاري: «لا يتابع في حديثه».5 وقال ابن الملقن: «هذان العليان: ابن ثوبان وابن جدعان ضعيفان».6 وقال في «خلاصة البدر المنير»: «إسناده فيه ضعف».7 وقال الذهبي: «علي بن سالم عن علي بن زيد ضعفا».8 وصرح ابن حجر في «فتح الباري»9 و«التلخيص الحبير»10 بأن إسناده ضعيف. وقال البوصيري: «ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان».11 وضعفه الألباني،12 وقال العدوي: «ضعيف جدا».13
رواه علي بن المديني، كما في «مسند الفاروق»،1 وعبد بن حميد،2 والدارمي،3 وابن ماجه،4 والعقيلي،5 وابن عدي،6 والحاكم مختصرًا،7 والبيهقي،8 من طرق عن إسرائيل بن يونس، عن علي بن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ الحاكم اقتصر على قوله: «الْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ».
وقد وقع في اسم علي بن سالم اختلاف في كتب الرجال؛ فالمشهور في أسانيد الحديث: «علي بن سالم بن ثوبان»، وهكذا عند ابن ماجه وابن عدي والحاكم، بينما وقع عند المزي: «علي بن سالم بن شوال».9 ونقل ابن حجر في «تهذيب التهذيب» أن في هامش الأصل مقابل «شوال»: «صوابه ثوبان»؛ ولذلك فالأقرب اعتماد «علي بن سالم بن ثوبان» في هذا الإسناد، مع التنبيه على وقوع «شوال» في بعض كتب الرجال.
ومدار المرفوع على علي بن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد بن جدعان. وعلي بن سالم قليل الحديث جدًا، لم يرو عنه فيما ذكر المزي إلا إسرائيل بن يونس، وقال البخاري: «لا يتابع في حديثه»، وقال ابن عدي: «يعرف بهذا الحديث، ولا أعلم له غيره»10 وقال العقيلي في هذا الخبر نفسه: «لا يتابع عليه أحد بهذا اللفظ».11
وفي الإسناد أيضًا علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف الحفظ، قال أحمد: «ليس بالقوي»، وقال في موضع: «ضعيف الحديث»، وقال ابن خزيمة: «سيئ الحفظ».12 فاجتمع في الطريق تفرد علي بن سالم الذي أنكره النقاد، مع ضعف شيخه علي بن زيد.
وزاد علي بن المديني علة ثالثة، فقال عن الحديث نفسه: «ضعيف الإسناد منكر، مع أنه منقطع من قبل سعيد بن المسيب».13 وقد اختلف النقاد في سماع سعيد من عمر؛ فأثبت بعضهم له سماعًا يسيرًا، ونفاه أبو حاتم ويحيى القطان في الجملة، لكن تعليل علي بن المديني لهذا الخبر بعينه مقدم في نقد هذا الطريق.
وخالف رواة المرفوع عبد الرزاق؛ فرواه عن إسرائيل، عن علي بن سالم، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب من قوله: «إِنَّ الْمُحْتَكِرَ مَلْعُونٌ، وَالْجَالِبَ مَرْزُوقٌ».14 وروى عبد الرزاق قبله عن سفيان الثوري أنه قال: «سمعنا في بعض الحديث: أن المحتكر ملعون، والجالب مرزوق» بلا إسناد.15 فوجود الوجه المقطوع عن سعيد بن المسيب يزيد المرفوع وهنًا، وإن كان لا يكفي وحده للجزم بأن المقطوع هو المحفوظ؛ لأن جماعة رووا المرفوع عن إسرائيل.
ووقع عند العقيلي في إحدى رواياته: «عن ابن عمر» بدل «عن عمر»،16 والمحفوظ في عامة طرق الحديث: عمر بن الخطاب؛ فقد رواه كذلك أصحاب إسرائيل عند ابن ماجه وعبد بن حميد والدارمي وابن عدي والبيهقي والحاكم، فلا يثبت وجه ابن عمر في مقابلهم.
وأما الحاكم فلم يصحح هذا الطريق، بل قال بعد إخراج لفظ «المحتكر ملعون»: إنه أخرجه مع أنه ليس من شرط كتابه لما بالناس من الضيق؛ فلا يصح إدخاله فيمن صحح الحديث.17 وقد نبه ابن الملقن إلى ذلك.18
ولمعنى ذم الاحتكار شاهد صحيح من حديث مَعْمَر بن عبد الله العدوي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».19 وهذا يثبت تحريم الاحتكار وذم فاعله، لكنه لا يشهد لخصوص لفظ «ملعون»، ولا لقوله: «الجالب مرزوق»، فلا يصح رفع الحديث كله إلى الحسن بهذا الشاهد.
وجاء عن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ».20 لكنه ليس شاهدًا قويًا؛ ففي إسناده أبو يحيى المكي وفروخ مولى عثمان، وفيهما جهالة، وقد أنكر الذهبي خبره، فلا يصلح هذا الطريق لدفع حكم علي بن المديني بالنكارة عن حديثنا.
فحديث «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» مداره مرفوعًا على علي بن سالم بن ثوبان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وقد تفرد به علي بن سالم، وقال البخاري: «لا يتابع في حديثه»، وقال العقيلي: «لا يتابع عليه أحد بهذا اللفظ»، وفي السند أيضًا علي بن زيد وهو ضعيف، وأعله علي بن المديني بالانقطاع وحكم عليه صراحة بأنه «ضعيف الإسناد منكر». كما رواه عبد الرزاق من الطريق نفسه مقطوعًا على سعيد بن المسيب. وأما الحديث الصحيح «لا يحتكر إلا خاطئ» فيشهد لأصل ذم الاحتكار، لا للفظ هذا الحديث بجملتيه. فالراجح على طريقة أئمة العلل أن الحديث مرفوع منكر، ولا يرتقي إلى الحسن بمجرد صحة أصل النهي عن الاحتكار أو بورود طرق أخرى ضعيفة في الباب.
(الْجَالِبُ) هو الذي يجلب السلع من خارج البلد أو السوق ويعرضها للناس، فيوسع عليهم في الأقوات والحاجات. (مَرْزُوقٌ) يرزقه الله ويبارك له فيما جلبه، وهذا اللفظ لا يثبت مرفوعًا في هذا الحديث، وإن كان أصل إباحة الجلب والبيع ثابتًا. (وَالْمُحْتَكِرُ) هو الذي يحبس ما يحتاج إليه الناس قاصدًا انتظار الغلاء والإضرار بهم، وليس مجرد ادخار الإنسان سلعته احتكارًا محرمًا في كل صورة. (مَلْعُونٌ) مبعد عن رحمة الله، وهذه العقوبة بخصوصها لا تثبت بهذا الإسناد؛ وإنما الثابت الصحيح في ذم الاحتكار قوله ﷺ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».1