كان النداء يوم الجمعة أوَّلُه إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فلمَّا كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء.
احتج به البخاري،1 وأصلحه أبو داود،2 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».3 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه».4
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (8/2 رقم 912 ط السلطانية)
2سنن أبي داود (285/1 رقم 1087 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
3سنن الترمذي (522/1 رقم 516 ت بشار)
4صحيح ابن خزيمة (136/3 رقم 1773 ت محمد مصطفى الأعظمي)
تخريج الحديث
رواه البخاري،1 والترمذي،2 وابن خزيمة،3 من طرق عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن السائب بن يزيد رضي الله عنه. ولفظ الترمذي: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر إذا خرج الإمام، وإذا أقيمت الصلاة، فلما كان عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء».
ورواه البخاري،4 وأبو داود،5 والنسائي،6 والبيهقي،7 من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: أخبرني السائب بن يزيد، وفيه: «فلما كان في خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك».
ورواه البخاري،8 من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: «إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني على المنبر».
ورواه البخاري من طريق عُقيل بن خالد، عن الزهري، عن السائب، بلفظ: «أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام».9 وهذه الرواية تسميه «الثاني»، بينما جاءت الروايات الأخرى بـ«الثالث»، وليس بينهما تعارض؛ فهو ثانٍ إذا عُدَّ الأذانان الحقيقيان دون الإقامة، وثالث إذا عُدت الإقامة نداءً أيضًا.
ورواه ابن خزيمة من طريق وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب، بلفظ: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر أذانين يوم الجمعة، حتى كان زمن عثمان، فكثر الناس، فأمر بالأذان الأول بالزوراء».10 فسماه «الأول» باعتبار موقعه الزمني؛ لأنه صار قبل أذان الإمام والإقامة، وسماه غيره «الثالث» باعتبار كونه النداء الزائد بعد أن كان الموجود أذانًا وإقامة. وقد حرر ابن حجر هذا الاختلاف فقال: لا منافاة؛ «لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا، وباعتبار كونه جعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولًا»، وأما تسميته ثانيًا فبالنظر إلى الأذان الحقيقي دون الإقامة.11
ورواه ابن ماجه،12 وأحمد،13 من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، وفيه زيادة بيان: «زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء، فإذا خرج أذن، وإذا نزل أقام». وصرح ابن إسحاق عند أحمد بسماعه من الزهري، فانتفت علة تدليسه في أصل هذه الرواية.
وروى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب: «كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد، وأبي بكر، وعمر»، ثم ساق نحو رواية يونس.14 وهذه زيادة في تعيين موضع الأذان، تفرد بها ابن إسحاق عن أصحاب الزهري فيما يظهر، فلا يحتاج إليها أصل الحديث الصحيح، وإن كان ابن إسحاق قد صرح بالسماع من الزهري في الطريق عند أحمد.
ورواه النسائي من طريق سليمان التيمي، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: «كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما».15 وهذا يفسر المراد من قول السائب إن النداء كان عند جلوس الإمام: أذان بلال عند جلوس النبي ﷺ، ثم الإقامة عند نزوله للصلاة.
فالحديث يدور على الزهري، عن السائب بن يزيد، وقد رواه عنه جماعة من الحفاظ: ابن أبي ذئب، ويونس بن يزيد، وعبد العزيز الماجشون، وعُقيل بن خالد، وصالح بن كيسان، وسليمان التيمي، ومحمد بن إسحاق، وتوافقت رواياتهم على أصل أن أذان الجمعة زمن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر كان عند جلوس الإمام على المنبر، وأن عثمان رضي الله عنه لما كثر الناس زاد نداءً سابقًا على الزوراء. واختلاف الروايات في تسميته «الأول» أو «الثاني» أو «الثالث» اختلاف اعتبار لا اختلاف واقعة: فهو الأول زمنًا، والثاني إذا لم تعد الإقامة أذانًا، والثالث إذا عدت الإقامة من النداء. والحديث صحيح ثابت لا علة مؤثرة فيه.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (8/2 رقم 912 ط السلطانية)
2سنن الترمذي (522/1 رقم 516 ت بشار)
3صحيح ابن خزيمة (136/3 رقم 1773 ت محمد مصطفى الأعظمي)
4صحيح البخاري (9/2 رقم 916 ط السلطانية)
5سنن أبي داود (285/1 رقم 1087 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
6سنن النسائي (100/3 رقم 1392 ت عبد الفتاح أبو غدة)
7السنن الكبير (316/6 رقم 5810 ت عبد الله التركي)
8صحيح البخاري (8/2 رقم 913 ط السلطانية)
9صحيح البخاري (9/2 رقم 915 ط السلطانية)
10صحيح ابن خزيمة (137/3 رقم 1774 ت محمد مصطفى الأعظمي)
11فتح الباري (394/2 ط السلفية)
12سنن ابن ماجه (359/1 رقم 1135 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
13مسند أحمد (491/24 رقم 15716 ط الرسالة)
14سنن أبي داود (285/1 رقم 1088 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
15سنن النسائي (101/3 رقم 1395 ت عبد الفتاح أبو غدة)
شرح الحديث
(كان النداء يوم الجمعة أوَّلُه إذا جلس الإمام على المنبر) إن الأذان الذي يدعو الناس إلى صلاة الجمعة كان في عهد النبي ﷺ عند جلوسه على المنبر للخطبة، ثم تقام الصلاة بعد نزوله، ولم يكن هناك قبله أذان آخر. (على عهد النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما) استمر العمل بهذه الصفة في زمن النبي ﷺ ثم خلافة أبي بكر وعمر. (فلما كان عثمان رضي الله عنه) لما تولى الخلافة. (وكثر الناس) كثر أهل المدينة واتسعت منازلهم، فاحتيج إلى إعلامهم قبل مجيء الإمام. (زاد النداء الثالث) أحدث نداءً زائدًا للإعلام، وسمي ثالثًا باعتبار الأذان الذي عند المنبر والإقامة، وسمي في روايات أخرى أولًا باعتبار أنه صار أول النداءات وقوعًا، وثانيًا إذا لم تعد الإقامة أذانًا.1(على الزوراء) والزوراء موضع في سوق المدينة؛ قال البخاري: «الزوراء موضع بالسوق بالمدينة».2
المصادر والمراجع
1فتح الباري (394/2 ط السلفية)
2صحيح البخاري (8/2 رقم 912 ط السلطانية)
فوائد الحديث
هذا الحديث جعل بعض العلماء يقول بأن الأذان يوم الجمعة يكون ثلاثا، وقد رأيت الشيخ مصطفى بنحمزة يدافع عن هذا، حتى وصف من خالف القول بالجهل بالسنة!.1
لكن في المقابل نجد أن ابن العربي المالكي المتوفى سنة 543هـ يقول :«وأما بالمغرب فيؤذنون ثلاثة من المؤذنين بجهل المفتين فإنهم لما سمعوا أنها ثلاثة لم يفهموا أن الإقامة هي النداء الثالث فجمعوها وجعلوها ثلاثة غفلة وجهلا بالسنة، فإن الله تعالى لا يغير ديننا ولا يسلبنا ما وهبنا من نعمة».2
وسبب الوهم تسميته في الحديث ثالثا؛ وإنما سماه كذلك لأنه أضافه إلى الإقامة فجعله ثالث الإقامة، كما قال النبي ﷺ :«بين كل أذانين صلاة ثلاثا لمن شاء».3 قال ابن العربي :«فتوهم الناس أنه أذان أصلي، فجعلوا المؤذنين ثلاثة، فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد، فكان وهما على وهم، ورأيتهم بمدينة السلام يؤذنون بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية؛ وكل ذلك محدث».4
فالأذان الثالث في الحديث إنما باعتبار الإقامة، ومن فقهاء المالكية من أنكر هذا في عصرنا، قال الطاهر بن عاشور :«فتوهم كثير من أهل الأمصار أن الأذان لصلاة الجمعة ثلاث مرات لهذا تراهم يؤذنون في جوامع تونس ثلاثة أذانات وهو بدعة».5
فإن ظهر هذا فإن الأذان المعتبرة الذي نردد خلفه هو الذي يدخل به وقت الصلاة، وبعض المدن الآن تجعل بين كل أذانين ساعة من الزمن فلا شك أن الأول لا يردد خلفه فهو إنما هو للإعلام، وهذا هو الأصل يكون للإعلام فقط، لأن المدينة لم يكن بها إلا المسجد النبوي وكان الناس كلهم يجمعون فيه وكثروا عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد فزاد عثمان الأذان الأول ليعلم من بالسوق ومن حوله حضور الصلاة ، أما الآن وقد كثرت المساجد وبنيت فيها المنارات وصار الناس يعرفون وقت الصلاة بأذان المؤذن على المنارة : فإنا نرى أن يُكتفى بهذا الأذان وأن يكون عند خروج الإمام اتباعاً للسنَّة، أو يؤمر المؤذنون عند خروج الإمام أن يؤذنوا على أبواب المساجد.6 أما المدن التي تجعلها متتابعة مجتمعة يكفي الترديد مع الأول ولو ردد مع الثاني فلا حرج، أما الثالث فقد ظهر لك حكمه.