تخريج حديث 1932: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا…»
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ.”
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ.”
قال ابن حجر بعد ذكر حديث عمر وشواهده: «ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن».1 وذهب بعض المتأخرين إلى تحسين أصل المسح بمجموع الطرق.
لكن قال أبو حاتم : «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به».2 قال أبو زرعة الرازي في حديث عمر نفسه: «هو حديث منكر، أخاف ألا يكون له أصل».3 وقال ابن الجوزي: «لا يصح».4 وضعفه النووي،5 والعراقي،6 والألباني،7 وبكر أبو زيد في جزء له سماه (جزء في مسح الوجه باليدين بعد رفعهما للدعاء)
رواه عبد بن حميد،1 والترمذي،2 والبزار،3 والطبراني،4 والحاكم،5 من طريق حماد بن عيسى الجُهني، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. وقال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به».6 وقال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به حماد بن عيسى الجهني».7
وقال البزار عقب روايته: «وهذا الحديث إنما رواه عن حنظلة حماد بن عيسى، وهو لين الحديث، وإنما ضعف حديثه بهذا الحديث».8 وهذا نص مهم؛ إذ لم يكتف البزار بوصف حماد باللين، بل جعل هذا الحديث نفسه مما ظهر فيه ضعف روايته.
وحماد بن عيسى ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد؛ قال أبو حاتم: «ضعيف الحديث».9 وقال أبو داود: «ضعيف، روى أحاديث مناكير».10 وقال يحيى بن معين: «شيخ صالح».11 فليس متروكًا عند الجميع، لكن تفرده بهذا الخبر عن حنظلة مع نكارته عند أبي زرعة مؤثر جدًا.12
وقد وقع على حماد اختلاف في الصحابي؛ فرواه الجماعة عنه عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، بينما رواه مُعَلَّى بن مهدي الموصلي عن حماد، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر مرفوعًا، وقال الطبراني: «لم يجاوز به المعلى بن مهدي ابن عمر».13 فمرة جعله من مسند عمر، ومرة من مسند ابن عمر؛ وإن كان هذا الاختلاف لا يغير أصل رفعه، فإنه يزيد في عدم ضبط حماد لهذا الخبر.
وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ فرواه أبو داود،14 من طريق عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القُرظي، عن ابن عباس، وفيه: «فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ». وقد حكم أبو داود على طرق هذا الحديث حكمًا صريحًا فقال: «روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا».15 فلا يصح جعل هذه الطرق الواهية شاهدًا قويًا لحديث عمر.
ورواه ابن ماجه،16 من طريق صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، وصالح بن حسان شديد الضعف، فلا يقوى هذا الوجه بنفسه.17
وجاء عن ابن عباس وجه آخر؛ رواه الطبراني،18 من طريق محمد بن إسحاق، عن خُصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَعَا جَعَلَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ». وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن خصيف إلا محمد بن إسحاق، تفرد به عباد بن العوام».19 وهذا اللفظ ليس صريحًا في أنه يمسح وجهه عند الفراغ من الدعاء، فلا يكون شاهدًا مطابقًا للفظ عمر.
وجاء شاهد آخر من حديث يزيد بن سعيد الكندي؛ رواه أبو داود،20 وأحمد،21 من طريق قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن حفص بن هاشم، عن السائب بن يزيد، عن أبيه، مرفوعًا: «كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ».22
لكن هذا الطريق مضطرب؛ قال عبد الله بن أحمد عقب روايته: «وقد خالفوا قتيبة في إسناد هذا الحديث، وأحسب قتيبة وهم فيه، يقولون: عن خلاد بن السائب، عن أبيه».23 وحفص بن هاشم مجهول؛ قال المزي: «وهو شيخ مجهول، لم يذكره البخاري في تاريخه ولا ابن أبي حاتم في كتابه».24 كما أن الحديث من رواية ابن لهيعة، ووقع عنه اختلاف في شيخه وفي اسم الصحابي وفي لفظ الحديث؛ فالوجه الأثبت عنه من رواية يحيى بن إسحاق جاء عن حَبان بن واسع، عن خلاد بن السائب، وفي بعض الروايات لم يذكر أباه.25 ولذلك لا يصلح هذا الطريق لإزالة نكارة حديث عمر.
وروي مرسلًا عن الزهري؛ رواه عبد الرزاق،26 عن مَعمر، عن الزهري قال: «كان رسول الله ﷺ يرفع يديه عند صدره في الدعاء ثم يمسح بهما وجهه». وهذا إسناد ثابت إلى الزهري، لكنه مرسل، فلا يثبت به المرفوع.27
ورواه الطبراني مرسلًا من حديث الوليد بن عبد الله بن أبي مُغيث بلفظ: «فإذا فرغ من دعائه فليمسح بهما وجهه».28 وقال السخاوي: «معضل».29 وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخُوزي وهو شديد الضعف، فلا ينهض للتقوية.30
فأصل حديث عمر تفرد به حماد بن عيسى عن حنظلة، وقد أنكره أبو زرعة صراحة وخشي ألا يكون له أصل، وقال البزار إن حمادًا إنما ضعف بهذا الحديث. أما الشواهد التي اعتمد عليها من حسنه بمجموع الطرق؛ فحديث ابن عباس حكم أبو داود على طرقه كلها بالوهي، وطريق يزيد مضطرب وفيه مجهول وابن لهيعة، والمرسل عن الوليد معضل شديد الضعف، ويبقى مرسل الزهري ثابتًا إلى الزهري لكنه لا يثبت المرفوع. لذلك فترجيح أبي زرعة أقوى عندي، ولا تنهض هذه الطرق لإزالة نكارة حديث عمر.
(كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ) يصف الخبر هيئةً منسوبة إلى النبي ﷺ عند رفع اليدين في الدعاء، (لَمْ يَرُدَّهُمَا) لم يخفض يديه ويعيدهما بعد رفعهما، (حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ) يزعم الخبر أنه كان يختم رفع يديه بإمرار كفيه على وجهه؛ لكن هذه الصفة بهذا اللفظ لا تثبت عنه ﷺ، لأن حديث عمر منكر، وما جاء في الباب من شواهد لا ينهض عند الترجيح لإثبات هذه السنة مرفوعة.
مسح الوجه بعد الدعاء مما اختلف فيه، فذهب الحنفية في الصحيح والشافعية والحنابلة والمالكية في قول إلى أن من يدعو خارج الصلاة يمسح وجهه بيديه عند الفراغ من الدعاء.
وقال المالكية في قول والحنفية في قول ورد «بلفظ " قيل ": إن مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء ليس بشيء».1
وسبب الخلاف راجع للخلاف في درجة الحديث، وقد أنكر إمامنا ذلك، فقد «سئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك، وقال: ما علمت».2