تخريج حديث 1933: «الْجَبَرُوتُ فِي الْقَلْبِ.»
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَبَرُوتُ فِي الْقَلْبِ.”
رواه ابن لال،1 من طريق إسماعيل بن محمد، عن يحيى بن أبي طالب، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عبد الملك، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، مرفوعًا: «الجبروت في القلب». وهذا هو الطريق الذي حفظه ابن حجر في «زهر الفردوس» من مسند الفردوس، وأصل الخبر عند ابن لال.
ومدار الحديث على محمد بن عبد الملك الأنصاري المدني، أبي عبد الله، عن محمد بن المنكدر. وهو متهم شديد الضعف، لا مجرد راوٍ لين. قال أحمد بن حنبل: «رأيت محمد بن عبد الملك، وكان أعمى، وكان يضع الحديث ويكذب»، وقال البخاري: «محمد بن عبد الملك أبو عبد الله، منكر الحديث عن ابن المنكدر».2 وروى ابن عدي كلام أحمد نفسه، ونقل قول البخاري فيه.3
وقال مسلم والنسائي والساجي فيه: «منكر الحديث»، وقال النسائي أيضًا: «متروك الحديث»، وفي موضع: «ليس بثقة ولا يكتب حديثه»، وقال أبو أحمد الحاكم: «ليس بالقوي عندهم»، وقال الحاكم في وصف روايته: «يروي عن نافع وابن المنكدر الموضوعات». وقد ذكره العقيلي والفسوي وابن الجارود في الضعفاء.
وهذا النقد شديد الصلة بحديثنا؛ لأن البخاري لم يكتف بتضعيف محمد بن عبد الملك مطلقًا، بل قال فيه تحديدًا: «منكر الحديث عن ابن المنكدر»، وحديثنا من روايته عن محمد بن المنكدر. فلا يصح حمل علته على مجرد سوء حفظ محتمل يمكن انجباره، بل الرجل متهم بالوضع والكذب، والحديث من جهة روايته عن الشيخ الذي نص البخاري على نكارة حديثه عنه.
وقد ذكر السخاوي للحديث معنى يشهد له من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُكْتَبُ جَبَّارًا وَمَا يَمْلِكُ غَيْرَ أَهْلِ بَيْتِهِ». وذكر المناوي هذا الخبر شاهدًا لحديث جابر.
قال ابن الغَرْس: «ضعيف».1 وقال المناوي: «بسند ضعيف، لكن شاهده خبر أحمد بن منيع والحارث عن علي مرفوعًا: إن الرجل ليكتب جبارًا وما يملك غير أهل بيته».2 وقال الصنعاني: «إسناده ضعيف».3 وحكم الألباني عليه بالوضع.4
لكن شاهد علي نفسه لا يثبت؛ رواه أحمد بن منيع والحارث بن أبي أسامة والطبراني من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله الحمصي، عن محمد بن علي، عن علي رضي الله عنه، مرفوعًا: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ بِالْحِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيُكْتَبُ جَبَّارًا، وَمَا يَمْلِكُ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِهِ».6 وقال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش».7
وعبد العزيز بن عبيد الله الحمصي ضعيف شديد الضعف؛ قال يحيى بن معين: «ضعيف»، وقال أبو زرعة: «مضطرب الحديث، واهي الحديث»، وقال أبو حاتم: «ضعيف، منكر الحديث»، وقال أبو داود: «ليس بشيء»، وقال النسائي: «ليس بثقة ولا يكتب حديثه»، وقال الدارقطني: «متروك».8 فهذه الرواية لا تصلح لتقوية طريق جابر الموضوع، فضلًا عن أنها لا تتضمن لفظ «الجبروت في القلب» نفسه، وإنما توافقه في أصل معنى الجبروت والتكبر.
وروي في المعنى أيضًا عن أبي أمامة رضي الله عنه: «اجْتَنِبُوا الْكِبْرَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ يَتَكَبَّرُ حَتَّى يَقُولَ اللهُ: اكْتُبُوا هَذَا فِي الْجَبَّارِينَ»، وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ... حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ»، وروى ابن لال هذين الخبرين أيضًا، لكنهما لا يثبتان لفظ حديث جابر، ولا يصلح مجرد صحة معنى التحذير من الكبر لإثبات نسبة «الجبروت في القلب» إلى النبي ﷺ.
فالحديث لا يعرف من طريق معتبر، ومداره على محمد بن عبد الملك الأنصاري، وهو ممن اتهمه أحمد بوضع الحديث والكذب، ووصف البخاري روايته عن ابن المنكدر ـ وهي عين طريق هذا الحديث ـ بالنكارة، ونص النسائي على تركه. والشاهد الذي ذكره السخاوي والمناوي عن علي ضعيف من جهة عبد العزيز بن عبيد الله، ولا يطابق لفظ الحديث أصلًا. ولهذا فقول بعض المتأخرين: «إسناده ضعيف» فيه تساهل بالنظر إلى حال مدار الطريق.