تخريج حديث 1936: «جِدَالٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ.»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
جِدَالٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ.”
رواه أحمد،1 من طريق وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «جِدَالٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ».2
وهذا من أهم طرق الحديث؛ وقد تتبع الدارقطني الاختلاف على سعد بن إبراهيم، فذكر أن منصور بن المعتمر رواه عنه، واختلف على منصور؛ فرواه يحيى بن يعلى عنه، عن سعد، عن أبي سلمة مباشرة، وخالفه عمرو بن أبي قيس وشيبان فروياه عن منصور، عن سعد، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أبي سلمة، عن أبي هريرة. ورواه سفيان الثوري عن سعد بهذا الوجه الأخير، ثم قال الدارقطني بعد استيعاب الاختلاف: «والصحيح قول الثوري ومن تابعه».3
وقد استحسن يحيى بن معين هذا الوجه بعينه؛ قال عباس الدوري: «ذاكرت يحيى بن معين حديث سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: مراء في القرآن كفر، فاستحسنه».4
وعمر بن أبي سلمة مختلف فيه، وليس من شرط الصحيح منفردًا؛ فقد كان شعبة يضعفه، وقال أبو حاتم: «صالح صدوق في الأصل، ليس بذلك القوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، يخالف في بعض الشيء». وقال النسائي: «ليس بالقوي».، وفي المقابل قال أحمد: «صالح ثقة إن شاء الله».، ولذلك لا يعتمد تصحيح الحديث على هذا الطريق وحده، وإن كان الدارقطني قد رجح وجهه من جهة ضبط الاختلاف على سعد.
(جِدَالٌ فِي الْقُرْآنِ) المراد المراء والخصومة الباطلة في كتاب الله، وليس مطلق البحث في معاني القرآن أو المناظرة العلمية لإظهار الحق؛ وقد ذكر الخطابي أن المراء يحتمل الشك في القرآن، أو الجدال الذي يوقع في الشك، أو إنكار بعض القراءات الصحيحة بعضها ببعض.1 وذكر البغوي أن من معانيه الجدال في الآيات المتشابهة على وجه يؤدي إلى الارتياب والجحود، أو إنكار قراءة ثابتة؛ أما التنازع العلمي في الأحكام والرجوع فيه إلى الدليل فليس هو المراء المذموم.2 (كُفْرٌ) يختلف حكمه بحسب صورة المراء؛ فإن كان إنكارًا لشيء ثابت من القرآن أو تكذيبًا به فهو كفر أكبر.
استحسن يحيى بن معين حديث سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة.1 وأورده ابن حبان في «صحيحه».2 وقال الحاكم في طريق محمد بن عمرو: «صحيح على شرط مسلم».3 وصححه النووي،4 وحسنه ابن حجر بحسب شرطه في «هداية الرواة».5 وصححه أحمد شاكر،6 وصححه محققو المسند، وحكم الألباني عليه بأنه «حسن صحيح». ولم أقف على من ضعّف أصل الحديث بعد جمع طرقه؛ وإنما أنكر أبو حاتم بعض الأسانيد التي رُوي بها، وهذا لا يرجع إلى الطرق المحفوظة، كما سيأتي.
ورواه أبو داود،9 وأحمد،10 وابن حبان،11 والحاكم،12 من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ».13 ومحمد بن عمرو حسن الحديث، وهذا الطريق مستقل عن طريق سعد بن إبراهيم، وقد صححه الحاكم على شرط مسلم.14
ورواه النسائي،15 وأحمد،16 من طريق أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا في حديث أطول: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ».17 وهذا طريق آخر يقوي أصل الحديث، وإن وقع في رواية أحمد قول أنس بن عياض: «لا أعلمه إلا عن أبي هريرة».18
وأما الطريق الذي رواه إسماعيل بن عياش، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، فقد أنكره أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر بهذا الإسناد».19 فهذا الحكم متوجه إلى هذا الإسناد بعينه، لا إلى أصل الحديث؛ إذ ثبت من الطرق المتقدمة التي لا تدور على ليث ولا إسماعيل بن عياش.
وكذلك روي من طريق شعيب بن أبي الأشعث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فأنكره أبو حاتم وقال: «هذا حديث مضطرب، ليس هو صحيح الإسناد» وعلله بجهالة شعيب وبأن «عروة عن أبي سلمة لا يكون».20 وهذا أيضًا طريق معلول مستقل لا يضر الطرق المحفوظة.
وله شاهد قوي مستقل من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه؛ رواه أحمد،21 والبيهقي،22 من طريق عبد الله بن جعفر المَخْرمي، عن يزيد بن الهاد، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه مرفوعًا: «الْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، عَلَى أَيِّ حَرْفٍ قَرَأْتُمْ فَقَدْ أَصَبْتُمْ، فَلَا تَتَمَارَوْا فِيهِ، فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ».23
فالحديث عن أبي هريرة ثابت من أكثر من مسلك: من طريق سعد بن إبراهيم مع ما وقع فيه من اختلاف رجح الدارقطني وجه الثوري، ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، ومن طريق أبي حازم عن أبي سلمة، ثم جاء له شاهد مستقل صحيح أو حسن قوي من حديث عمرو بن العاص. ولذلك فالحكم على أصل الحديث بالصحة متجه، ولفظ «الجدال» محفوظ، كما أن لفظ «المراء» أشهر وأثبت من طرق متعددة.