تخريج حديث 1941: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَفْضُلُ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً.”
رواه البزار،1 من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاته وحده بخمس وعشرين صلاة». ورواه البزار أيضًا من طريق معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، بمثله، ثم قال البزار: «لا نعلم أسند أشعث عن داود غير هذا الحديث، ولم يسند داود عن سعيد، عن أبي هريرة إلا حديثين هذا أحدهما».2
وهذا الإسناد صحيح؛ فعبد الأعلى بن عبد الأعلى ثقة، وداود بن أبي هند ثقة ثبت، وقد ثبت سماعه من سعيد بن المسيب؛ قال البخاري في ترجمته: «سمع سعيد بن المسيب».3 بل قال أحمد في داود: «ثقة ثقة»، وذكر أن سماعه من سعيد بن المسيب قديم. وسعيد بن المسيب من أثبت الناس في أبي هريرة؛ قال أبو حاتم: «وهو أثبتهم في أبي هريرة».4
وليس هذا اللفظ قائمًا على طريق البزار وحده؛ فقد احتج مسلم بأصل الحديث من طرق صحيحة عن أبي هريرة. فرواه مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا». ورواه معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بلفظ: «تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين درجة». ورواه شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه. فحديث أبي هريرة محفوظ من غير طريق داود بن أبي هند أيضًا.
(صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ) أداؤه الصلاة مع جماعة المسلمين مؤتمًا بإمام، والمقصود بيان فضل الاجتماع على الصلاة والانفراد بها. (تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ) تزيد عليها في الأجر والثواب زيادة عظيمة، ولا يلزم من إثبات الفضل هنا أن صلاة المنفرد باطلة؛ فالبحث في صحة الصلاة وحكم الجماعة الفقهي له أدلته الأخرى. (بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً) أي يكون ثواب الصلاة في الجماعة مضاعفًا بالنسبة إلى صلاة المنفرد بهذا المقدار، وقد جاءت الروايات الصحيحة بلفظ «خمس وعشرين درجة» و«خمس وعشرين جزءًا» و«خمس وعشرين ضعفًا»، وجاء من حديث ابن عمر «سبع وعشرين درجة»، وكلها ثابتة، ولا يلزم من ذكر الخمس والعشرين نفي الزيادة الواردة في الرواية الأخرى.
احتج به البخاري بمعناه،1 واحتج به مسلم من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة، منها: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا»، و«تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين درجة».2 وأورده ابن خزيمة من حديث ابن مسعود في «صحيحه» بلفظ: «صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده بخمس وعشرين».3 وقال الترمذي في اختلاف العدد: «وعامة من روى عن النبي ﷺ إنما قالوا: خمس وعشرين، إلا ابن عمر فإنه قال: بسبع وعشرين».4
ورواه البخاري من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا مطولًا: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا...».8 وفيه بيان سبب زيادة الثواب من إحسان الوضوء، والمشي إلى المسجد، ورفع الدرجات وحط الخطايا، وصلاة الملائكة على المصلي وانتظاره الصلاة.
وله شاهد صحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ رواه البخاري من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة».9
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ رواه أحمد،10 من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن مُوَرِّق العجلي، عن أبي الأحوص الجُشَمي، عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ «كان يفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة، كلها مثل صلاته». ورواه ابن خزيمة،11 من طريق شعبة، عن قتادة وعقبة بن وَسَّاج، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، مرفوعًا بنحوه، وأورده في «صحيحه».
وقد ورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما العدد «سبع وعشرين»؛ فرواه مسلم12 عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة».وقال الترمذي: «وعامة من روى عن النبي ﷺ إنما قالوا: خمس وعشرين، إلا ابن عمر فإنه قال: بسبع وعشرين».13
ولا تعارض بين الخمس والعشرين والسبع والعشرين؛ فقد نبه ابن خزيمة إلى أن ذكر الخمس والعشرين لا يقتضي نفي ما زاد عليها، فقال إن العرب قد تذكر العدد «من غير أن تريد نفي ما زاد على ذلك العدد»، ثم استدل برواية ابن عمر في السبع والعشرين.14 وقد ذكر العلماء وجوهًا أخرى للجمع، منها اختلاف حال الصلاة والمصلي والجماعة، أو أن النبي ﷺ أخبر أولًا بالخمس والعشرين ثم زيد في الفضل، لكن لا حاجة إلى الجزم بواحد منها؛ إذ الروايتان صحيحتان.
فالحديث بلفظ أبي هريرة عند البزار إسناده صحيح، وليس تفرد داود بن أبي هند به عن سعيد علة؛ فقد ثبت سماعه منه وهو ثقة، كما أن أصل الحديث محفوظ عن أبي هريرة بأسانيد أخرى صحيحة في «الصحيحين»، وثبت عدد الخمس والعشرين أيضًا من حديث أبي سعيد وابن مسعود. واختلاف ألفاظ «صلاة»، و«درجة»، و«جزء»، و«ضعف» لا يقدح في أصل الحديث، وإنما تدور كلها على بيان مضاعفة فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد.