تخريج حديث 1945: «الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ.»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ.”
احتج به مسلم،1 وأصلحه أبو داود،2 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه»،3 وأورده ابن حبان في «صحيحه»،4 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم».5 وقال النووي: «إسناده صحيح على شرط مسلم».6
رواه أحمد،1 ومسلم،2 وأبو يعلى،3 والبيهقي،4 من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ».5
ورواه أبو داود،6 وأحمد،7 وابن خزيمة،8 وابن حبان،9 والحاكم،10 والبيهقي،11 من طرق عن سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: «الْجَرَسُ مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ»، وعند أبي داود: «فِي الْجَرَسِ مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ».12
فمدار الحديث على العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة، وقد رواه عن العلاء ثقتان مشهوران: إسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال، واختلف اللفظ بين «مزامير الشيطان» و«مزمار الشيطان»، ولا تعارض بينهما.
(الْجَرَسُ) هو ما يُعلَّق في أعناق الدواب ونحوها فيصدر عند الحركة صوتًا ورنينًا، وهو المراد في سياق أحاديث السفر والأجراس (مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ) جمع مِزمار، وهي آلات اللهو ذات الصوت، فنسب الجرس إلى الشيطان لما في صوته من مشابهة أصوات اللهو وما يترتب عليه من الإلهاء، وجاء في الرواية الأخرى بالإفراد: «مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ»، والمعنى متقارب. ولا يلزم من الحديث إدخال كل وسيلة تنبيه حديثة في حكم الجرس المذكور بمجرد اشتراكها في إصدار الصوت، بل ينظر في حقيقة الصوت واستعماله ومشابهته للجرس المنهي عنه.
ورد في الجرس حديثان صحيحان عن أبي هريرة رضي الله عنه: الأول قوله ﷺ: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس»1 وهذا ظاهر في السفر؛ لأن «الرفقة» جماعة المترافقين في السفر. والثاني قوله ﷺ: «الجرس مزامير الشيطان»2 وهذا مطلق لم يقيد بسفر ولا حضر.
والمقصود بالجرس هنا: الجرس المعروف الذي يُعلَّق بالدواب ونحوها، ويكون فيه جسم من معدن أو نحوه إذا تحرك ضرب بعضه بعضًا فأحدث صلصلةً وصوتًا متكررًا. فليس المراد كل شيء يسمى اليوم «جرسًا» من أصوات الهواتف وأجهزة التنبيه؛ لأن الأحكام تتعلق بحقائق الأشياء لا بمجرد الأسماء المستحدثة. وقد تكلم شراح الحديث على الجرس المعروف الذي كانت العرب تعلقه على الدواب، وذكروا في علة النهي صوته وشبهه بالنواقيس ونحو ذلك3
ولهذا اختلف أهل العلم: فذهب الشافعية ومالك وآخرون إلى كراهة الجرس مطلقًا في السفر والحضر؛ لأن الحديث الثاني عام. قال النووي: «وهذا الذي ذكرناه من كراهة الجرس على الإطلاق هو مذهبنا ومذهب مالك وآخرين»4 وقرر القرطبي أن الكراهة لا ينبغي أن تقصر على الأسفار، واستدل بقوله ﷺ: «الجرس مزامير الشيطان»، وقال إن مزامير الشيطان مكروهة سفرًا وحضرًا.5
وذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص الكراهة بالسفر أو ببعض أحواله. ونقل عن محمد بن الحسن أن الجرس إنما يكره للغزاة في دار الحرب؛ لأن صوته يدل العدو عليهم، وألحقوا بذلك السفر الذي يخشى فيه اللصوص، أما ما كان في دار الإسلام وفيه منفعة فقالوا: لا بأس به.6 وهذا مبني على النظر إلى علة كشف مكان الرفقة، وهي علة تختص بالسفر والخوف.
والراجح أن أصل النهي لا يختص بالسفر؛ لأن حديث «لا تصحب الملائكة رفقة...» وإن ورد في السفر، فقد جاء بعده النص المستقل المطلق: «الجرس مزامير الشيطان». فلا يصح تقييد هذا العموم بالسفر من غير دليل؛ إذ اختلاف السبب أو السياق لا يقيد نصًا آخر جاء مطلقًا. ولهذا كان استدلال القرطبي والنووي أقوى من جهة النص.
وأما درجة النهي، فقد حمله النووي وجماعة على كراهة التنزيه، وذهب غيرهم إلى التشديد فيه، كما اختلفوا أيضًا في الجرس الكبير والصغير؛ فنقل النووي عن جماعة من متقدمي علماء الشام أنهم كرهوا الكبير دون الصغير.7
فالخلاصة: حديث «لا تصحب الملائكة رفقة» متعلق بالسفر، لكن النهي عن جنس الجرس لا يختص بالسفر على الراجح؛ لعموم قوله ﷺ: «الجرس مزامير الشيطان». والمقصود الجرس الحقيقي المعروف ذي الصلصلة الناتجة عن حركة أجزائه، لا مجرد كل صوت تنبيه يسمى في زماننا جرسًا؛ فما كان من الأصوات الحديثة مماثلًا لحقيقة الجرس وصوته فله وجه في الإلحاق، وما كان مجرد تنبيه إلكتروني لا يشبهه فلا يدخل في الحديث لمجرد الاسم.