أورده المنذري بصيغة الجزم.1 وقال محققا «الطيوريات» في الطريق المختصر من رواية يزيد بن أبي حبيب: «إسناده لا بأس به».2
لكن قال ابن سيد الناس في طريق اللفظ المطول: «فيه زَبَّان بن فائد، قال فيه أبو حاتم: صالح، وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان وتكلم فيهما غيرهما، وابن لهيعة مشهور الحال».3 وقال ابن كثير: «في إسناده عبد الله بن لهيعة، وضعفه مشهور، وشيخه زَبَّان بن فائد ضعيف أيضًا».4 وقال الهيثمي: «فيه زَبَّان بن فائد، ضعفه ابن معين، ووثقه أبو حاتم».5 واللفظ المحفوظ عن أبي حاتم في زَبَّان: «صالح»، لا «ثقة». وقال محققو المسند: «إسناده ضعيف».6 وضعفه الألباني.7
المصادر والمراجع
1الترغيب والترهيب (1/ 274 ت مصطفى محمد عمارة)
2الطيوريات (2/ 453 رقم 397 ت دسمان يحيى معالي وعباس صخر الحسن)
3النفح الشذي (4/ 172 ت أبو جابر الأنصاري وعبد العزيز أبو رحلة وصالح اللحام)
4الأحكام الكبير (1/ 232 ت نور الدين طالب)
5مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (2/ 42 ت حسام الدين القدسي)
6مسند أحمد (24/ 390 رقم 15627 ط الرسالة)
7ضعيف الترغيب والترهيب (ص125 رقم 233 ط مكتبة المعارف)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 والطبراني،2 من طريق عبد الله بن لَهِيعة، عن زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «الْجَفَاءُ كُلُّ الْجَفَاءِ، وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ: مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللهِ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ يَدْعُو إِلَى الْفَلَاحِ وَلَا يُجِيبُهُ». فرواه أحمد عن الحسن بن موسى الأشيب، عن ابن لهيعة، ورواه الطبراني عن أسد بن موسى، عن ابن لهيعة، فمدار هذا الوجه على ابن لهيعة عن زَبَّان عن سهل.
ورواه الطبراني أيضًا،3 من طريق رِشْدين بن سعد، عن زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، بمثله. وهذا لا يصلح لتقوية الطريق الأول؛ لأن مداره كذلك على زَبَّان عن سهل، وفوق ذلك رِشْدين بن سعد ضعيف جدًا، قال ابن معين: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم: «منكر الحديث، ضعيف»، وقال النسائي: «متروك الحديث».4 فليس هذا مخرجًا مستقلًا عن العلة، وإنما هو وجه آخر عن زَبَّان.
وموضع العلة الأشد في اللفظ المطول هو رواية زَبَّان بن فائد عن سهل بن معاذ؛ فقد قال أحمد في زَبَّان: «أحاديثه مناكير»، وقال يحيى بن معين: «شيخ ضعيف»، وقال أبو حاتم: «صالح».5 وقال ابن حبان في سهل بن معاذ: «لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زَبَّان بن فائد عنه».6 بل قال في موضع آخر في روايات زَبَّان عن سهل: إنه لا يدري أوقع التخليط من سهل أو من زَبَّان، وأن الأخبار التي من هذا الوجه لا يعتمد عليها.7 فهذا نقد مخصوص بهذا التركيب بعينه: زَبَّان عن سهل، وليس مجرد تضعيف عام لكل حديث سهل.
أما سهل بن معاذ بن أنس نفسه فقد اختلف فيه؛ ضعفه يحيى بن معين، ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، لكنه خص رواية زَبَّان عنه بالنقد كما تقدم.8 ولهذا كان التفريق بين رواية زَبَّان عنه ورواية غيره مهمًا في هذا الحديث.
وقد جاءت للخبر متابعة مهمة عن سهل من غير طريق زَبَّان؛ رواه أبو طاهر المخلِّص في «الطيوريات»،9 من طريق قتيبة بن سعيد، عن عبد الله بن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سهل بن معاذ، عن أبيه معاذ بن أنس رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: «مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ بِدَاعِي اللهِ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يُجِيبَ». وهذه الطريق أسقطت زَبَّان بن فائد، وهي عاضد قوي لأصل الخبر، لكنها لا تحتوي على قوله: «الْجَفَاءُ كُلُّ الْجَفَاءِ، وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ».
وطريق قتيبة عن ابن لهيعة أقوى من عامة روايات ابن لهيعة؛ فقد نقل عن قتيبة أنه قال: قال له أحمد بن حنبل: «أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح»، فقال قتيبة: «لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة».10 وروى أبو داود عن قتيبة أنه قال: «كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه أو كتب ابن وهب».11 لكن نجد من العلماء من خرج أحاديث من مناكير لابن لهيعة وهي من رواية قتيبة كما فعل ابن عدي، ثم الرواية في ثبوتها نظر، فهي عن جعفر بن محمد الفريابي قال: سمعت بعض أصحابنا يذكر إنه سمع قتيبة. 12. ولم يسم أحدا من أصحابه، لكن قال الآجري :«وسمعت أبا داود يقول: سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه أو كتب ابن وهب إلا ما كان من حديث الأعرج». 13
وقد نبه ابن رجب إلى هذه المتابعة، فبعد أن ذكر حديث أحمد من طريق ابن لهيعة، عن زَبَّان، عن سهل، قال: «ورواه رِشْدين بن سعد عن زَبَّان»، ثم نقل عن الحافظ أبي موسى قوله: «رواه جماعة عن زَبَّان، وتابعه عليه يزيد بن أبي حبيب».14 والمقصود بالمتابعة هنا متابعة أصل الخبر عن سهل؛ إذ لفظ يزيد بن أبي حبيب المحفوظ في «الطيوريات» ليس فيه زيادة «والكفر والنفاق».
ومن هنا يتبين أن عبارة ابن كثير في تضعيف الإسناد من جهة ابن لهيعة وزَبَّان صحيحة في طريق أحمد نفسه، لكن الخبر ليس منحصرًا في زَبَّان؛ فقد تابعه يزيد بن أبي حبيب عن سهل، وهذه المتابعة ترفع أصل قوله: «من الجفاء أن يسمع الرجل داعي الله... ثم لا يجيب» عن الضعف، ولا ترفع معها الألفاظ التي لم يروها يزيد.
وأما زيادة «وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ» فلا أعرف لها طريقًا صالحًا خارج رواية زَبَّان عن سهل، وهي الرواية التي خصها ابن حبان بالنقد، وقال أحمد في صاحبها زَبَّان: «أحاديثه مناكير». فلا يصح أن تقوى هذه الزيادة بطريق يزيد بن أبي حبيب؛ لأن الشاهد لا يحتوي عليها.
ويشهد لمعنى نسبة التخلف إلى النفاق خبر أبي زُرارة الأنصاري، عن النبي ﷺ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُجِبْ كُتِبَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ»، وقد قال ابن رجب: «وإسناده صحيح؛ لكن أبو زرارة، قال أبو القاسم البغوي: لا أدري أله صحبة أم لا؟».15 فهو شاهد لمعنى كون ترك إجابة النداء من علامات النفاق، لكن احتمال عدم صحبة أبي زرارة يمنع جعله مرفوعًا صحيحًا مستقلًا، كما أنه لا يشهد للفظ «الكفر» في حديث معاذ.
ويشهد لأصل التغليظ في التخلف عن الجماعة ما ثبت في الصحيح من همِّ النبي ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة، وهو أصل صحيح مستقل، لكنه لا يصحح ألفاظ هذا الخبر الخاصة.
فالحديث بتمام لفظه يدور على رواية زَبَّان بن فائد عن سهل بن معاذ، وهي رواية مخصوصة بالنقد؛ فقد ضعف زَبَّان غير واحد، وقال أحمد: «أحاديثه مناكير»، وقال ابن حبان في روايته عن سهل خاصة: «لا يعتبر حديثه». وطريق رِشْدين لا ينفع؛ لأنه يرجع إلى زَبَّان نفسه وهو أشد ضعفًا. لكن تابع زَبَّانَ يزيدُ بن أبي حبيب عن سهل من طريق قتيبة عن ابن لهيعة، وهي طريق أقوى، ولفظها: «من الجفاء أن يسمع الرجل بداعي الله ينادي بالصلاة ثم لا يجيب»، ولذلك يثبت أصل نسبة ترك إجابة داعي الصلاة إلى الجفاء. أما زيادة «كل الجفاء، والكفر والنفاق» فلم تقع في الطريق الأقوى ولا في متابع صالح، فلا تثبت. فالراجح أن الحديث مرفوع ضعيف بهذا السياق التام.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (24/ 390 رقم 15627 ط الرسالة)
2المعجم الكبير (20/ 183 رقم 394 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
3المعجم الكبير (20/ 183 رقم 395 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
4تهذيب الكمال (9/ 191-195 ت بشار)
5تهذيب الكمال (9/ 281-282 ت بشار)
6الثقات لابن حبان (4/ 321 ط دائرة المعارف العثمانية)
7المجروحين لابن حبان (1/ 347)
8تهذيب الكمال (12/ 208-209 ت بشار)
9الطيوريات (2/ 453 رقم 397 ت دسمان يحيى معالي وعباس صخر الحسن)
10تهذيب الكمال (15/ 494 ت بشار)
11تهذيب الكمال (15/ 494 ت بشار)
12تهذيب الكمال في أسماء الرجال (15/ 494)
13تهذيب الكمال في أسماء الرجال (15/ 494)
14فتح الباري لابن رجب (4/ 19)
15فتح الباري لابن رجب (4/ 18)
شرح الحديث
(الْجَفَاءُ كُلُّ الْجَفَاءِ) الجفاء هو البعد عن الرفق والخير وغلظ الطبع، ولفظ «كل الجفاء» غاية في التغليظ، غير أن هذه الزيادة لا تثبت كما تقدم. (وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ) هذا اللفظ كذلك لا يثبت من الطريق الأقوى، وعلى فرض ثبوته فالمراد به التغليظ وكون التخلف من خصال أهل الكفر والنفاق وعلاماتهم، لا أن كل من تخلف عن صلاة الجماعة بغير عذر يكون كافرًا الكفر الأكبر بمجرد ذلك؛ وقد قال ابن رجب في التخلف عن الجماعة: إن النبي ﷺ «جعله من خصال النفاق».1(مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللهِ) أي المؤذن الذي ينادي إلى الصلاة بأذانها. (يُنَادِي بِالصَّلَاةِ يَدْعُو إِلَى الْفَلَاحِ) أي يقول في أذانه: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، والفلاح الفوز والنجاة. (وَلَا يُجِيبُهُ) الظاهر أن المراد إجابة دعوته بالحضور إلى الصلاة مع الجماعة لمن وجبت عليه وكان قادرًا عليها، لا مجرد ترديد كلمات الأذان؛ فسياق الحديث وكلام من أورده في باب التخلف عن الجماعة يدل على ذلك.