حديث 1953: «أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ...» | ديوان الحديث
”
تخريج الحديث
رواه مسلم،1 وأبو داود،2 من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه عبد الوارث بن سعيد، عن الحسين بن ذكوان المعلِّم، عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثني عامر بن شراحيل الشعبي، عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، مرفوعًا. وهذا هو الطريق الذي ساق مسلم منه الرواية المطولة المذكورة هنا، وفيه تصريح ابن بريدة بسماع الشعبي، والقصة نفسها تتضمن سؤال الشعبي لفاطمة وتحديثها إياه، فلا انقطاع فيه.
وهذا الطريق مهم في نقد الحديث؛ لأن أبا حاتم وأبا زرعة سئلا عن رواية بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة، في قصة الجساسة، فقالا: «له عورة»، ثم ذكرا رواية عبد الوارث عن حسين المعلِّم، عن ابن بريدة، عن الشعبي، عن فاطمة، وقالا: «فأفسد هذا الحديث حديث بشير».3 فالنقد المتقدم هنا لم يُعل رواية فاطمة، بل جعلها الوجه الذي تُعرف به علة الطريق المخالف عن بريدة. وهذه قرينة نقدية قوية؛ لأن أبا حاتم وأبا زرعة استعملا طريق حسين المعلِّم في تعليل غيره، لا في تعليل نفسه.
ولم يتفرد عبد الله بن بريدة عن الشعبي؛ فقد رواه مسلم،4 من طريق خالد بن الحارث، عن قرة بن خالد، قال: حدثنا سيار أبو الحكم، قال: حدثنا الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، فذكر أصل القصة، وفيه تصريح سيار بالسماع من الشعبي.
شرح الحديث
(أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ... حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ) طلب الشعبي منها خبرًا تلقته بنفسها من النبي ﷺ، وفيه تحريه في الرواية، (وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ) بيان تقدمها وفضلها، (نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ) كانت زوجًا له، (فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ) أصابه ما أصابه في الجهاد، وليس المراد موته؛ فقد ثبت من رواياتها الأخرى أنه طلقها فبانت منه، (فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ) صرت بلا زوج، (خَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ) سعى في تزويجها أسامة بن زيد، (مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ) بيان لمنزلة أسامة ومحبة النبي ﷺ له، (أَمْرِي بِيَدِكَ فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ) فوضت إليه النظر في زواجها، أراد أن تعتد في موضع مأمون، عدل عن ذلك لما يخشى من كثرة دخول الرجال وانكشاف شيء منها بغير قصد، نقلها إلى موضع أصلح لحفظ سترها، نداء للاجتماع لأمر عام، كانت صفوف النساء وراء الرجال، أمرهم بالبقاء لسماع الخبر، لم يجمعهم لطمع في أمر دنيوي ولا لخوف من عدو، كان على النصرانية ثم دخل في الإسلام، وافق ما سبق أن أخبرهم به النبي ﷺ من شأن الدجال، فكان خبر تميم مؤيدًا لما عندهم لا أصلًا وحيدًا لمعرفة النبي ﷺ بالدجال، من قبيلتين عربيتين، اضطربت بهم السفينة وحادت عن طريقها مدة، لجؤوا إلى ساحلها، الأقرب جمع قارب، وهي المراكب الصغيرة، عظيمة الشعر حتى لم يتبين مقدمها من مؤخرها، سميت بذلك لما لها من تعلق بتجسس الأخبار للدجال، شديد الرغبة في معرفة أخبارهم، خفنا منها، موضع عبادة النصارى، عظيم الجثة والبنية في نظر من شاهده، أشدهم تقييدًا، وصلتم إلي وصار في إمكانكم معرفة شأني، اشتد البحر وهاج، نخل البلدة المعروفة ببيسان، وسؤاله عن ثمره متعلق بعلامات يعلمها لقرب خروجه، البحيرة المعروفة بالشام، عين ماء معروفة في ناحية الشام، سأل عن بعثة النبي ﷺ وظهور أمره، أقر أن طاعة النبي ﷺ خير للعرب، المراد المسيح الدجال، وهو غير المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، هو ممنوع من الخروج إلى الوقت الذي قدره الله، ينتشر في الأرض زمن فتنته، طيبة هي المدينة، وهما محفوظتان من دخوله، السيف الصلت هو المسلول المجرد من غمده، على طرقها ومداخلها ملائكة يمنعونه، المخصرة عصا أو قضيب يكون بيد الإنسان، أكد أن المدينة هي التي سبق إخباره بأنها محرمة على الدجال، وجه العجب موافقة خبر المشاهدة لما سبق أن أخبر به النبي ﷺ، استقر الخبر على جهة المشرق، وأما ما قبلها فحمله الشراح على الظن ثم التحقيق، أو على الإبهام المقصود ثم البيان، و«ما» للتوكيد والصلة لا للنفي، أكد الجهة بالفعل مع القول، تؤكد فاطمة أنها سمعت هذا الخبر من النبي ﷺ نفسه وحفظته عنه.
فوائد الحديث
في الحديث ثبوت قصة الجساسة والمسيح الدجال، وأن النبي ﷺ حدث بها أصحابه بعد أن وافق خبر تميم ما كان قد أخبرهم به.
وفيه رواية النبي ﷺ عن بعض أصحابه، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وفيه أن خبر تميم لم يكن مصدر معرفة النبي ﷺ بأصل أمر الدجال؛ فقد قال: «وافق الذي كنت أحدثكم».
وفيه شدة تحري الشعبي في الحديث، إذ طلب من فاطمة خبرًا سمعته بنفسها من النبي ﷺ.
وفيه فضل أسامة بن زيد رضي الله عنهما ومحبة النبي ﷺ له.
وفيه العناية بستر المرأة والبعد عن المواضع التي يكثر فيها دخول الرجال إذا خشي انكشاف شيء منها.
وفيه أن صفوف النساء تكون خلف صفوف الرجال.
وفيه جواز النداء بـ«الصلاة جامعة» عند حدوث أمر عام يحتاج إلى اجتماع الناس.
وفيه ثبوت وجود المسيح الدجال في زمن النبي ﷺ وفق ظاهر الحديث، وأنه ممنوع من الخروج حتى يأذن الله له.
وفيه أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة، وأن الملائكة تحرس مداخلهما.
وفيه أن جهة الدجال من المشرق.
وفيه حديثيًا أن اختلاف الروايات بالاختصار والزيادة لا يعد اضطرابًا قادحًا حتى يتعذر الجمع بينها أو تتعارض الوجوه المحفوظة.
وفيه أن تعليل طريق من طرق الحديث لا يستلزم تعليل أصله؛ فأبو حاتم وأبو زرعة أعلا طريق بشير بن المهاجر، وجعلا طريق الشعبي عن فاطمة كاشفًا لخطئه.
وفيه أن ترك البخاري الحديث في «صحيحه» لا يدل بذاته على تضعيفه، وقد صرح هنا بصحة حديث الشعبي عن فاطمة.
وفيه أن الاستشكال العقلي أو الجغرافي لا يكفي وحده لإسقاط خبر ثبت بإسناد صحيح وصححه أئمة النقد، ما لم يثبت فيه تناقض لا يمكن دفعه أو علة حديثية معتبرة.
احتج به مسلم،1 وأصلحه أبو داود،2 وقال البخاري في حديث الجساسة: «وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديث صحيح».3 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي، وقد رواه غير واحد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس».4 وقال أبو نعيم: «حديث صحيح ثابت متفق عليه، رواه عن الشعبي عدة من الكبار والتابعين».5 وقال ابن عبد البر في روايات قصة الجساسة: «وهذه كلها آثار ثابتة صحاح من جهة الإسناد والنقل».6
لكن استشكل محمد رشيد رضا الحديث، ورأى أن اختلاف ألفاظ القصة والتردد في مكان الدجال ومعارضتها عنده لأخبار ابن صياد قرائن على النكارة، وانتهى إلى قوله: «وجملة القول في حديث الجساسة أن ما فيه من العلل والاختلاف والإشكال من عدة وجوه يدل على أنه مصنوع».7 وقال ابن عثيمين: «النفس لا تطمئن إلى صحته عن النبي ﷺ؛ لما في سياق متنه من النكارة»، ولما سئل: هل قال به أحد من السلف قبل رشيد رضا؟ قال: «لا أعلم... وأنا لم أتتبع أقوال العلماء فيه لكن في نفسي منه شيء».8 وقال أيضًا: «فيه بعض الشيء من الاضطراب».9
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (2261-2265/4 رقم 2942 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن أبي داود (118/4 رقم 4326 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
3العلل الكبير للترمذي (رقم 607)
4سنن الترمذي (رقم 2253 ت بشار عواد معروف)
5حلية الأولياء (143/8 ط السعادة)
6الاستذكار (333/8 ط دار الكتب العلمية)
7تفسير المنار (410-415/9)
8لقاء الباب المفتوح (28/8)
9شرح صحيح مسلم لابن عثيمين (321/7)
ورواه مسلم أيضًا،5 من طريق وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن غيلان بن جرير، عن الشعبي، عن فاطمة، مختصرًا في قصة تميم والدجال.
ورواه مسلم كذلك،6 من طريق يحيى بن بكير، عن المغيرة الحزامي، عن أبي الزناد، عن الشعبي، عن فاطمة، وساق أصل خبر الجزيرة والدجال.
فهذه أربعة أوجه أخرجها مسلم عن الشعبي: عبد الله بن بريدة، وسيار أبو الحكم، وغيلان بن جرير، وأبو الزناد. ولهذا فقول من يجعل قصة الجساسة راجعة في الحقيقة إلى مجالد بن سعيد يحتاج إلى دليل على أن هؤلاء كلهم تلقوها من مجالد ثم أسقطوه، ولا يكفي مجرد احتمال ذلك؛ إذ الأصل حمل الأسانيد المتصلة على ظاهرها، ولا سيما مع تصريح سيار بالسماع، ومع اعتماد أبي حاتم وأبي زرعة طريق حسين المعلِّم في تعليل الطريق المخالف.
وتابع هؤلاء داود بن أبي هند عن الشعبي؛ فرواه أحمد،7 من طريق حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن فاطمة، وفيه أصل القصة: الجساسة، والرجل المصفد، وسؤاله عن النبي ﷺ، وتصريحه بأنه الدجال، وأنه لا يدخل مكة وطيبة. فهذا طريق آخر مشهور عن الشعبي، وإن لم نحتج إليه أصلًا مع صحة طرق مسلم.
ورواه الترمذي،8 من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الشعبي، عن فاطمة، مختصرًا، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي، وقد رواه غير واحد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس». فغرابة طريق قتادة لا تعني غرابة أصل الحديث عن الشعبي؛ ولذلك نبه الترمذي نفسه إلى أن غير واحد رواه عن الشعبي.
ورواه أبو داود،9 من طريق المعتمر بن سليمان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن فاطمة. ومجالد ضعيف، وهذه الطريق لا نحتاج إليها في تصحيح الخبر؛ لأن حديث الشعبي محفوظ من غير طريقه. ومن هنا يظهر أن جعل رواية مجالد أصل جميع الروايات ثم حمل الطرق الصحيحة عليها دعوى تحتاج إلى نقل أو قرينة نقدية عن المتقدمين، ولم أقف على شيء من ذلك، بل المنقول عن البخاري عكسه؛ فقد صحح حديث الشعبي عن فاطمة صراحة.10
وروي أيضًا من غير طريق الشعبي؛ فرواه أبو داود،11 من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، مختصرًا. واختلف على الزهري؛ فرواه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن الزهري، عن عمرة، عن فاطمة، فقال الدارقطني: «حديث أبي سلمة أصح».12 فالدارقطني كذلك لم يستنكر أصل القصة، وإنما ميز الوجه الأصح في الاختلاف على الزهري.
واختلف أيضًا على عبد الله بن بريدة؛ فرواه حسين المعلِّم عنه، عن الشعبي، عن فاطمة، وخالفه بشير بن المهاجر فرواه عنه، عن أبيه بريدة، وروي عنه بواسطة يحيى بن يعمر عن فاطمة. وقد حكى الدارقطني هذا الاختلاف.13 لكن وجه الشعبي لا يتوقف على الترجيح في هذا الاختلاف وحده؛ لأن الشعبي روى عنه الحديث جماعة غير عبد الله بن بريدة كما تقدم، ولأن أبا حاتم وأبا زرعة جعلا رواية حسين المعلِّم هي التي تكشف خطأ بشير.
وروي من حديث جابر رضي الله عنه عند أبي داود،14 من طريق الوليد بن عبد الله بن جميع، عن أبي سلمة، عن جابر، وفيه قصة الجزيرة والجساسة، وفي آخره كلام جابر في ابن صياد. وهذا الطريق لا نجعله عمدة في تصحيح حديث فاطمة؛ لما في الوليد بن جميع من كلام، ولوقوع الاضطراب في بعض رواياته. وكذلك ما روي من حديث أبي هريرة وعائشة في بعض طرق القصة لا نحتاج إليه في أصل الحكم، فالحديث قائم بنفسه من طرق فاطمة.
وأما الاستدلال بعدم إخراج البخاري له في «الصحيح» على أنه أعله، فلا يستقيم بعد ثبوت قوله الصريح: «وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديث صحيح».15 فترك الحديث في «الصحيح» لا يساوي عند البخاري تضعيفه، وصحيحه لم يستوعب كل ما صح عنده. وأما قول ابن حجر: «ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم»،16 فهو استنباط من ابن حجر في سبب صنيع البخاري، ولا يجوز جعله ناسخًا لتصريح البخاري نفسه بأن حديث الشعبي عن فاطمة «حديث صحيح».
وأما حديث ابن صياد فلا يعارض حديث الجساسة معارضة توجب رد أحدهما؛ فقد كان أمر ابن صياد مشتبهًا في أول الأمر، ولذلك قال النبي ﷺ لعمر: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ»، ولم يثبت أن النبي ﷺ جزم بأن ابن صياد هو المسيح الدجال الأكبر. ويحتمل أن تكون قصة تميم قد جاءت بعد ذلك كاشفة لأمر الدجال. ولهذا قال ابن حجر: «فيحتمل أن يكون النبي ﷺ كان متوقفًا في أمره، ثم جاءه الثبت من الله تعالى بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد، وطريقه أصح».17 فحلف عمر أو جابر على ابن صياد مبني على ما ظهر لهما، وليس نصًا مرفوعًا صريحًا يقدَّم على خبر فاطمة الصحيح.
وأما اعتراض محمد رشيد رضا بقوله إن اختلاف الروايات في مكان الدجال وتردد النبي ﷺ في قوله: «في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق» ينافي كون خبره عن وحي، فليس هذا الإشكال مما خفي على الشراح المتقدمين ثم اكتشفه المتأخرون؛ بل ذكره القرطبي وأجاب عنه. فقال في قوله ﷺ: «في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق»: إن الكلام «ابتدئ على الظن، ثم عرض الشك، أو قصد الإبهام، ثم نفى ذلك كله وأضرب عنه بالتحقيق»، ثم قرر أن النبي ﷺ قد يقع منه الظن فيما لم ينزل فيه وحي، لكنه لا يقر عليه، بل يرشد إلى التحقيق.18 وهذا لا يمس عصمته في تبليغ الوحي؛ لأن العصمة تمنع أن يقر في التبليغ على خطأ، لا أن يمتنع عليه كل اجتهاد أو ظن في أمر لم يأت فيه بيان بعد.
وذكر الطيبي احتمالًا آخر، وهو أن النبي ﷺ «لم ير أن يبين لهم موطنه ومجلسه كل التبيين؛ لما رأى في الالتباس من المصلحة»، فذكر بحر الشام أو بحر اليمن على الإبهام، ثم قال: «لا، بل من قبل المشرق». ونقل احتمال أن يكون أول الكلام مبنيًا على الظن، ثم تيقن جهة المشرق بالوحي.19 فالإشكال قديم معروف، ولم ير أولئك الشراح أنه علة قادحة في الحديث.
وعلى فرض أن صدر العبارة كان اجتهادًا في تحديد الجزيرة من خلال رحلة تميم، فلا يلزم أن يكون النبي ﷺ ادعى علم ذلك ابتداء عن الوحي؛ فتميم أخبره برحلة بحرية، وقد يجتهد السامع في جهة الجزيرة من مسار الرحلة، ثم يأتيه البيان الأصح. أما الذي استقر عليه كلامه ﷺ فهو قوله المؤكد المتكرر: «لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ»، وأشار بيده إلى المشرق. ولذلك قال القاضي عياض في «ما هو»: إنها صلة للتأكيد وليست نفيًا، ونقله النووي.20
كما أن بعض ما عده رشيد رضا تعارضًا في مكان خروج الدجال ليس تعارضًا لازمًا؛ فقول النبي ﷺ إنه «من قبل المشرق» جهة عامة، وما ورد في بعض الأخبار من خراسان تخصيص لناحية من المشرق. وأما حديث مسلم في يهود أصبهان فلفظه أن الدجال «يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا»، وليس فيه أنه يخرج أول خروجه من أصبهان. فلا يصح جعل اجتماع أتباعه من أصبهان رواية أخرى في تحديد مكان خروجه.
وأما قول رشيد رضا إن النبي ﷺ لم يقر تميمًا على جميع خبره، وإنما أعجبه منه موافقته في عدم دخول مكة والمدينة، فظاهر الرواية أوسع من ذلك؛ فإن النبي ﷺ جمع الناس، وروى لهم قصة تميم بنفسه، ولم يحكها على جهة الإنكار أو التوقف، بل قال: «وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ». فلا يلزم أن تكون كل كلمة قالها تميم وحيًا أنشأه النبي ﷺ، لكن إخبار النبي ﷺ بها للناس وإقراره لها يجعلها خبرًا مرفوعًا من جهة رواية فاطمة عنه، وما صححه أو استدركه النبي ﷺ داخل القصة يؤخذ كما صححه واستدركه.
وأما ما استشكل من طول بقاء الدجال حيًا موثقًا، فليس ذلك علة حديثية؛ لأن الخبر في أمر غيبي، والإمكان العقلي لا يمنع طول العمر إذا أخبر به خبر ثابت. كما أن طول العمر ليس هو الخلود الذي نفاه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾؛ فالخلود بقاء لا موت بعده، أما امتداد العمر إلى أجل مقدر ثم الموت فشيء آخر.
وكذلك وصفه في القصة بأنه «أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا» لا يعارض بمجرده ما جاء في بعض صفاته الجسدية؛ لأن العبارة وصف لما عاينه أصحاب تميم بالنسبة إلى من رأوه، و«عظم الخلق» يحتمل ضخامة الجسد وشدة بنيته، وليس نصًا في طول مخصوص يناقض وصفًا صحيحًا آخر.
وأما كثرة الاختصار والاختلاف في تفاصيل روايات الشعبي؛ كرواية «تميمًا ركب» وفي أخرى «بني عم لتميم»، أو ذكر ثلاثين من لخم وجذام، أو الاقتصار في بعض الطرق على نخل بيسان وعين زغر وعدم ذكر سائر الأسئلة، فهذه ليست اضطرابًا قادحًا بمجردها؛ لأن الروايات المختصرة لا تعارض الرواية المطولة إلا إذا أثبتت شيئًا يناقضها. ومسلم نفسه ساق الطريق المطول ثم أتبعه بثلاثة أوجه مختصرة، فظهر أن الرواة كانوا يختصرون القصة بحسب المقام، مع اتفاقهم على أصلها.
وأما قول ابن عثيمين: «النفس لا تطمئن إلى صحته»، فهو توقف مبني على استشكال المتن، وقد صرح بنفسه حين سئل هل سبقه إلى ذلك أحد من السلف فقال: «لا أعلم»، ثم قال: «وأنا لم أتتبع أقوال العلماء فيه لكن في نفسي منه شيء».21 وهذا مهم في وزن حكمه؛ لأنه لم يقدمه على أنه نتيجة جمع لطرق الحديث وكلام النقاد، بخلاف البخاري الذي سئل عن الحديث بعينه فقال: «هو حديث صحيح»، وأبي حاتم وأبي زرعة اللذين مارسا النقد الإسنادي في طرقه ولم يعلا أصل رواية فاطمة.
وأما الدراسة المعاصرة التي حاولت إثبات أن أصل القصة حديث مجالد عن الشعبي، وأن سائر الرواة أخذوه منه وأسقطوه، فهذه النتيجة لا تقوم على نقل عن إمام من أئمة العلل، وإنما هي احتمال مبني على شهرة رواية مجالد في بعض المصادر المبكرة. ومجرد تقدم ظهور طريق ضعيف في بعض المصنفات أو كثرة الرواة عنه لا يجعل الطرق الصحيحة اللاحقة راجعة إليه، ولا يجوز الحكم بالتدليس على جماعة من الثقات بلا قرينة خاصة. ويعارض هذا الاحتمال تصريح البخاري بصحة حديث الشعبي، واستعمال أبي حاتم وأبي زرعة لطريق حسين المعلِّم في كشف خطأ بشير، وتصريح سيار أبي الحكم بالسماع من الشعبي في رواية مسلم. ولهذا لا يظهر أن هذا التعليل يصلح لإسقاط الحديث.
فالحديث يدور في أصله على الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، وقد رواه عن الشعبي جماعة، وأخرج مسلم وحده من حديثه أربعة أوجه، وأخرج غيره طرق داود بن أبي هند وقتادة ومجالد وغيرهم. وأصحها طريق حسين المعلِّم، عن عبد الله بن بريدة، عن الشعبي، وطريق سيار أبي الحكم، عن الشعبي. وقد صحح البخاري حديث الشعبي عن فاطمة صراحة، وصححه الترمذي، واحتج به مسلم، ووصفه أبو نعيم بأنه «صحيح ثابت»، وعد ابن عبد البر طرقه «آثارًا ثابتة صحاحًا». وأما النقد المنقول عن أبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني فهو نقد لبعض الوجوه المخالفة، ولم أقف على إمام من أئمة العلل المتقدمين حكم على أصل حديث فاطمة بالنكارة أو الضعف.
وعليه فاعتراض رشيد رضا ومن تبعه لا يكفي لإسقاط الحديث؛ لأنه قائم أساسًا على استشكال المتن والجمع بين الأخبار، وقد سبقه الشراح إلى أصل الإشكال وأجابوا عنه، بينما النقد الإسنادي للمتقدمين يميل في الجهة الأخرى: تصحيح البخاري الصريح، وترجيح أبي حاتم وأبي زرعة لطريق فاطمة على الطريق المخالف، وتصحيح الأئمة بعدهم. فالراجح على منهج أئمة العلل أن الرواية المطولة مرفوعة صحيحة، ولا يصح إنزالها عن الصحة بمجرد استبعاد بعض تفاصيلها أو تعذر تعيين الجزيرة في الواقع المعاصر.
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (2261-2265/4 رقم 2942 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن أبي داود (118/4 رقم 4326 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
3علل ابن أبي حاتم (524/6 رقم 2721 ت الحميد)
4صحيح مسلم (2264/4 رقم 2942 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
5صحيح مسلم (2264-2265/4 رقم 2942 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
6صحيح مسلم (2265/4 رقم 2942 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7مسند أحمد (338/45 رقم 27350 ط الرسالة)
8سنن الترمذي (رقم 2253 ت بشار عواد معروف)
9سنن أبي داود (118/4 رقم 4327 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
10العلل الكبير للترمذي (رقم 607)
11سنن أبي داود (118/4 رقم 4325 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
12علل الدارقطني (رقم 4083)
13علل الدارقطني (375/15 رقم 4082)
14سنن أبي داود (119/4 رقم 4328 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)