تخريج حديث 1955: «لَا تَتَمَارَضُوا فَتَمْرَضُوا، وَلَا تَحْفِرُوا…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
لَا تَتَمَارَضُوا فَتَمْرَضُوا، وَلَا تَحْفِرُوا قُبُورَكُمْ فَتَمُوتُوا.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
لَا تَتَمَارَضُوا فَتَمْرَضُوا، وَلَا تَحْفِرُوا قُبُورَكُمْ فَتَمُوتُوا.”
قال أبو حاتم الرازي: «هذا حديث منكر».1 وقال في محمد بن سليمان الصنعاني: «مجهول، والحديث الذي روى عن المنذر منكر».2 وقال الذهبي فيه: «مجهول، والحديث الذي رواه منكر».3 وقال السخاوي: «وعلى كل حال فلا يصح»، وقال في زيادة «فتموتوا فتدخلوا النار»: «فلا أصل لها أصلًا».4 وقال الملا علي القاري: «لا يصح».5 وقال الألباني: «منكر».6
ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» فقال: «وسألت أبي عن حديث رواه عاصم بن إبراهيم الداري، عن محمد بن سليمان الصنعاني، عن منذر بن النعمان الأفطس، عن وهب بن منبه، عن عبد الله بن عباس؛ قال النبي ﷺ: لا تتمارضوا فتمرضوا، ولا تحفروا قبوركم فتموتوا؟ قال أبي: هذا حديث منكر».1
ورواه الديلمي في «مسند الفردوس» من طريق أبي حاتم الرازي، عن عاصم بن إبراهيم الداري، بهذا الحديث، وقد حفظ ابن أبي حاتم إسناده على الوجه المتقدم: عاصم بن إبراهيم، عن محمد بن سليمان الصنعاني، عن منذر بن النعمان الأفطس، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس رضي الله عنهما.2
ووقع في نسختي «مسند الفردوس» اللتين اعتمد عليهما محقق «الغرائب الملتقطة» سقوط محمد بن سليمان من الإسناد، وتصَحُّف «وهب بن منبه» إلى «وهب بن قيس»، وسقوط ابن عباس، فصار ظاهره: عاصم بن إبراهيم، عن المنذر بن النعمان، عن وهب بن قيس، مرفوعًا. والمحفوظ هو إسناد ابن أبي حاتم؛ لأن المنذر بن النعمان معروف بالرواية عن وهب بن منبه، ولأن ابن أبي حاتم ساق الطريق كاملًا عند سؤاله أبا حاتم عنه.
وعلى هذا، فما وقع عند السخاوي،3 والسيوطي،4 والعجلوني،5 من عزو الحديث إلى «وهب بن قيس» لا يصلح أن يجعل طريقًا ثانيًا مستقلًا أو شاهدًا لحديث ابن عباس؛ فالظاهر أنه ناشئ من هذا السقط والتصحيف في نسخ «مسند الفردوس»، لا من إسناد آخر محفوظ.
ومدار علة الحديث على محمد بن سليمان الصنعاني؛ فقد قال أبو حاتم فيه: «مجهول، والحديث الذي روى عن المنذر منكر».6 وتبعه الذهبي فقال: «مجهول، والحديث الذي رواه منكر».7 وهذا جرح متعلق بهذا الحديث بعينه، لا مجرد جهالة عامة في الراوي.
وأما المنذر بن النعمان الأفطس فليس هو علة الحديث؛ فقد وثقه ابن معين،8 وذكره ابن حبان في «الثقات»9 وهو معروف بالرواية عن وهب بن منبه. وعاصم بن إبراهيم الداري صدوق عند أبي حاتم.10 فالعلة الظاهرة في الطريق هي محمد بن سليمان، مع حكم أبي حاتم على الخبر نفسه بالنكارة.
ولم أقف على طريق آخر معتبر لهذا الحديث يدفع نكارته، وما ظُنَّ طريقًا آخر عن وهب بن قيس مرده -فيما يظهر- إلى التصحيف والسقط المتقدم. ولذلك لا توجد متابعة معتبرة لمحمد بن سليمان، ولا شاهد يصلح لترقية الحديث.
وأما اللفظ الشائع: «لا تتمارضوا فتمرضوا فتموتوا فتدخلوا النار» فليس هو لفظ الرواية؛ وإنما الثابت في الطريق المنكر: «لا تتمارضوا فتمرضوا، ولا تحفروا قبوركم فتموتوا». وقد نص السخاوي على أن زيادة «فتموتوا فتدخلوا النار» «لا أصل لها أصلًا».11 ونقله عنه من جاء بعده.12
فالحديث لا يعرف إلا من هذا الطريق المنكر، ومداره على محمد بن سليمان الصنعاني، وهو مجهول، وقد حكم أبو حاتم على حديثه عن المنذر بالنكارة، ثم حكم على هذا الخبر نفسه بقوله: «هذا حديث منكر». وما وقع في بعض المصادر من جعله من حديث وهب بن قيس لا يثبت طريقًا ثانيًا؛ بل تدل مقارنة «مسند الفردوس» بنقل ابن أبي حاتم على أنه تصحيف وسقط في الإسناد. ولم يوجد عاضد معتبر يرفع الحديث عن نكارته. لذلك فحكم أبي حاتم هو الأرجح: مرفوع منكر.
(لَا تَتَمَارَضُوا) التمارض أن يتكلف الإنسان هيئة المريض ويتظاهر بالمرض وهو غير مريض، (فَتَمْرَضُوا) ظاهر اللفظ التحذير من أن يفضي تكلف المرض إلى وقوع المرض حقيقة، لكن الحديث لم يثبت، فلا يصح جعل هذه الجملة قاعدة نبوية في أثر الوهم أو النفس في الجسد، (وَلَا تَحْفِرُوا قُبُورَكُمْ) ظاهر الكلام النهي عن استعجال إعداد الإنسان قبره لنفسه على وجه التشاؤم أو استحضار قرب موته، (فَتَمُوتُوا) أي بحسب ظاهر الخبر أن ذلك قد يكون سببًا في وقوع ما يخشاه الإنسان، وهذا المعنى بهذا الترتيب السببي لا يثبت عن النبي ﷺ لضعف الحديث ونكارته.