تخريج حديث 1957: «مَنْ اتَّخَذَ قَوْسًا عَرَبِيَّةً نَفَى…»
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ اتَّخَذَ قَوْسًا عَرَبِيَّةً نَفَى اللهُ عَنْهُ الْفَقْرَ.”
رواه ابن الأعرابي،1 من طريق إبراهيم بن معاوية بن جبلة الباهلي البصري، عن مَرْدَوَيْه بن يزيد، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا، ولفظه: «مَنْ اتَّخَذَ قَوْسًا عَرَبِيَّةً وَجَفِيرَهَا -يَعْنِي كِنَانَتَهَا- كَفَّ اللهُ عَنْهُ الْفَقْرَ».2 وإبراهيم بن معاوية بن جبلة أبو إسحاق الباهلي البصري لم أقف على توثيق معتبر له، فهو مجهول الحال.
ورواه الخطابي،3 عن ابن الأعرابي بهذا الطريق، ووقع عنده اسم شيخ ابن الأعرابي مختصرًا: «إبراهيم بن جبلة الباهلي»، ولفظه: «مَنْ اتَّخَذَ قَوْسًا عَرَبِيَّةً وَجَفِيرَهَا نَفَى اللهُ عَنْهُ الْفَقْرَ». وهذه ليست متابعة مستقلة، وإنما هي رواية ابن الأعرابي نفسها.4
ورواه الطبراني،5 من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي، عن إبراهيم بن مَرْدَوَيْه، عن أبيه، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس، مرفوعًا بلفظ: «مَنْ اتَّخَذَ قَوْسًا عَرَبِيَّةً نَفَى اللهُ عَنْهُ الْفَقْرَ». فهذه الطريق تلتقي بالطريق السابقة عند مَرْدَوَيْه بن يزيد، ثم الربيع بن صبيح، وليست طريقًا مستقلة عن أصل الإسناد من هذا الموضع فما بعده. وقد قال محقق «فضل الرمي» في هذه الطريق: «الحديث ضعيف لجهالة إبراهيم وأبيه...». لكن الحكم بجهالة أبي إبراهيم يحتاج إلى تحرير؛ لأن الظاهر أن مَرْدَوَيْه بن يزيد هو عبد الصمد بن يزيد، المعروف بمَرْدَوَيْه الصائغ؛ فقد نص المزي على أن عبد الصمد بن يزيد مردويه روى عن الحسن بن أبي الحسناء، وهو نفس الشيخ الذي جاء عنه في الطريق الآتي عند الخطيب، وقال فيه الحسين بن فهم: «ثقة»، وقال ابن معين في رواية: «لا بأس به، ليس ممن يكذب»، وذكره ابن حبان في الثقات. فلا أجعل جهالة مَرْدَوَيْه علة ثابتة حتى يتبين أنه راو آخر.
(مَنْ اتَّخَذَ قَوْسًا عَرَبِيَّةً) أي اقتنى القوس المعروفة التي كان العرب يرمون بها، والمقصود في السياق اتخاذها للرمي، لكن الحديث لا يثبت فلا ينسب ما فيه من الخصوصية إلى الشرع. (نَفَى اللهُ عَنْهُ الْفَقْرَ) أي -لو ثبت الخبر- دفع الله عنه الفقر وأغناه بسبب ذلك، وهو وعد دنيوي مخصوص لا يجوز إثباته إلا بدليل صحيح. وجاء في بعض الروايات: (وَجَفِيرَهَا) والجفير هو الكنانة التي توضع فيها السهام.1
قال ابن القيم: «وقد ورد بذلك أثر في إسناده نظر».1 وقال محقق «معجم ابن الأعرابي»: «إسناده ضعيف جدًا، الربيع بن صبيح له مناكير».2 وقال محقق «فضل الرمي وتعليمه»: «الحديث ضعيف» ثم أعله بإبراهيم والربيع بن صبيح.3
والعلة الأظهر بعد ذلك هي الربيع بن صبيح؛ فقد اختلف فيه، فقال أحمد: «لا بأس به، رجل صالح»، وقال أبو زرعة: «شيخ صالح صدوق»، وقال أبو حاتم: «رجل صالح»، لكن قال يحيى بن معين في رواية: «ضعيف الحديث»، وقال النسائي: «ضعيف»، وقال علي بن المديني: «هو عندنا صالح وليس بالقوي»، وقال عفان: «أحاديثه كلها مقلوبة»، وقال ابن حبان: كان يهم كثيرًا حتى وقعت المناكير في حديثه، وقال: «لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد».9 فالربيع صالح للاعتبار في الجملة، لكنه لا يحتمل مثل هذا التفرد بلا عاضد معتبر.
وخالف هذا السياقَ طريقٌ آخر عن أنس؛ فرواه الخطيب،10 من طريق محمد بن سنان القزاز البصري، عن مَرْدَوَيْه بن يزيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبي العالية البراء، عن أنس، مرفوعًا: «مَنْ اتَّخَذَ قَوْسًا فِي بَيْتِهِ نَفَى اللهُ عَنْهُ الْفَقْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً».11 ثم نبه الخطيب إلى أن قوله «الحسن بن أبي الحسن» خطأ، والصواب: «الحسن بن أبي الحسناء»، وروى ذلك من طريق أخرى إلى محمد بن سنان، عن مَرْدَوَيْه بن يزيد، عن الحسن بن أبي الحسناء، عن أبي العالية، بنحوه.12
والحسن بن أبي الحسناء أبو سهل البصري القَوَّاس ثقة في نفسه؛ قال ابن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «شيخ محله الصدق».13 وأبو العالية البراء ثقة، وإنما آفة هذا الطريق محمد بن سنان القزاز؛ قال ابن خراش: «هو كذاب»، ونقل الآجري أن أبا داود كان «يطلق فيه الكذب»، وقال أبو داود أيضًا: «ليس عندي بثقة»، وإن قال الدارقطني: «لا بأس به».14 ولذلك لا يصلح هذا الطريق للاعتبار، فضلًا عن أن لفظه مختلف؛ ففيه «في بيته» و«أربعين سنة»، ولا توجد هاتان الزيادتان في طريق الربيع بن صبيح.
ولا يصلح ما ورد في فضل القسي العربية عمومًا شاهدًا لخصوص هذا الحديث؛ لأن ثبوت فضل الرمي أو الترغيب في القوس شيء، والوعد الخاص بأن اتخاذ القوس ينفي الفقر شيء آخر يحتاج إلى دليل خاص، فلا يثبت أحدهما بالآخر.
فالحديث يدور في لفظه المشهور على مَرْدَوَيْه بن يزيد، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس، وقد وصل إلى مَرْدَوَيْه من أكثر من وجه، لكن العلة باقية في الربيع بن صبيح، وهو ضعيف الحفظ لا يحتمل تفرده، وفوقه في طريق ابن الأعرابي إبراهيم بن معاوية بن جبلة وهو مجهول الحال. وأما طريق الخطيب ففيه محمد بن سنان القزاز، وقد كذبه ابن خراش وأطلق أبو داود فيه الكذب، مع اختلاف لفظه وزيادة «أربعين سنة»، فلا يصلح لتقوية الطريق الأول.