أورده ابن خزيمة في «صحيحه»،1 وابن حبان في «صحيحه»،2 وقال ابن حجر: «هذا حديث صحيح».3 وقال محققو المسند: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».4 وصحح الألباني إسناده على شرط الشيخين.5 وقال الترمذي في شاهده من حديث أبي هريرة: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه».6
المصادر والمراجع
1صحيح ابن خزيمة (3/ 293 رقم 2105 ت محمد مصطفى الأعظمي)
2صحيح ابن حبان (1/ 187 رقم 11 ت شعيب الأرناؤوط)
3الأمالي المطلقة (ص20 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
4مسند أحمد (11/ 547 رقم 6958 ط الرسالة)
5السنة لابن أبي عاصم (1/ 27 رقم 51 ط المكتب الإسلامي)
6سنن الترمذي (رقم 2453 ت بشار)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وابن أبي عاصم،2 والحارث،3 وابن خزيمة،4 وابن حبان،5 والطحاوي،6 من طرق عن حُصَين بن عبد الرحمن السُّلَمي، عن مجاهد بن جَبْر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، مرفوعًا. ولفظ أحمد المختصر: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ».7
ورواه أحمد من طريق رَوح بن عُبادة، عن شعبة، عن حُصَين، وفيه تصريح شعبة بقوله: «أخبرني حُصَين»، وتصريح حُصَين بقوله: «سمعت مجاهدًا يحدث»، فالإسناد متصل، ورجاله ثقات، وسماع شعبة من حُصَين قديم قبل ما ذكر من تغير حُصَين في آخر عمره.8 وهذا الطريق وحده كاف في تصحيح الحديث.
ورواه ابن أبي عاصم من طريق محمد بن فُضَيل، عن حُصَين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، بلفظ: «فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ».9 فتابع ابنُ فضيل شعبةَ على أصل الإسناد، واختلف اللفظ بين «فقد أفلح» و«فقد اهتدى»، والمعنى متقارب.
ورواه الطحاوي من طريق هُشَيم بن بشير، عن حُصَين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، بلفظ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِمَّا إِلَى سُنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ».10 ورواه من طريق وهب بن جرير، عن شعبة، عن حُصَين، بنحو لفظ أحمد.11
ورواه أحمد أيضًا ضمن قصة عبد الله بن عمرو الطويلة في اجتهاده في الصيام والقيام وقراءة القرآن، من طريق هُشَيم، عن حُصَين بن عبد الرحمن والمغيرة الضبي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، ثم قال الراوي صراحة: «قال حُصَين في حديثه: ثم قال ﷺ: فإن لكل عابد شرة...».12 فهذا التنصيص يدل على أن هذه الجملة من حديث حُصَين خاصة، ولا يصح عد المغيرة الضبي متابعًا لحُصَين في لفظ «لكل عابد شرة» من هذا الطريق.13
ورواه ابن خزيمة من طريق محمد بن فُضَيل، عن حُصَين، عن مجاهد في القصة الطويلة، وفيها أن النبي ﷺ أرشد عبد الله بن عمرو إلى الاقتصاد في الصيام وقراءة القرآن، ثم قال: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ».14 وهذا السياق يبين سبب ورود الجملة، وأنها قيلت في النهي عن الغلو في العبادة الذي يعقبه الفتور.
وعند ابن حبان من طريق شعبة، عن حُصَين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَإِنَّ لِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ...».15 ولفظ «شرته إلى سنتي» مخالف للمحفوظ في أكثر الطرق: «فترته إلى سنتي»؛ فقد رواه روح بن عبادة ووهب بن جرير عن شعبة بلفظ «فترته»، وكذلك محمد بن فضيل وهشيم عن حُصَين، فهو اللفظ الأثبت.
وروي عن عبد الله بن عمرو من طريق أخرى؛ رواه البزار،16 والطبراني،17 من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن أبي الزبير، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: «تِلْكَ ضَرَاوَةُ الْإِسْلَامِ... وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى اقْتِصَادٍ...» بنحوه.18 وهذه الطريق تصلح في أصل المتابعة والمعنى، لكنها ليست في قوة طريق حُصَين؛ لأن محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة عن أبي الزبير، وأبو الزبير أيضًا مدلس، فلا حاجة إلى الاعتماد عليها مع صحة الطريق الأول.
وله شاهد مستقل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ؛ رواه أحمد،19 والطحاوي،20 من طريق جرير بن عبد الحميد وعبيدة بن حميد، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وفيه: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ثُمَّ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى بِدْعَةٍ فَقَدْ ضَلَّ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدِ اهْتَدَى».21
لكن اختلف على منصور؛ فرواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن جَعْدة بن هُبيرة، مرفوعًا.22 وجَعْدة قد اختلف في صحبته، ونص يحيى بن معين وأبو داود وغيرهما على أنه لم يسمع من النبي ﷺ، فيكون هذا الوجه مرسلًا عندهم. ورواه جرير وعبيدة بن حميد عن منصور بذكر رجل من أصحاب النبي ﷺ، وهو موصول. فهذا الاختلاف يمنع من جعل طريق منصور عمدة في التصحيح، وإن كان يشهد بقوة لأصل الحديث، والحديث صحيح بدونه بطريق حُصَين عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو.
وله شاهد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ رواه الترمذي،23 والطحاوي،24 وابن حبان،25 من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ»، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه».26 وهذا شاهد صحيح مستقل لأصل «الشرة والفترة»، وإن اختلف آخره عن حديث عبد الله بن عمرو.
وروي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ رواه البزار،27 والقضاعي من طريق مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، وفيه: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَالشِّرَّةُ إِلَى فَتْرَةٍ...».28 وقال البزار: «لا نعلم له طريقًا عن ابن عباس بهذا اللفظ إلا عن مسلم، عن مجاهد».29 وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح».30 لكن تعقبه ابن حجر فقال: «كلا، بل مسلم هو ابن كيسان الأعور، ضعيف جدًا».31 فهذه الطريق ضعيفة جدًا، ولا حاجة إليها في تقوية الحديث.
فالحديث في أصح طرقه يدور على حُصَين بن عبد الرحمن السُّلَمي، عن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواه عن حُصَين شعبة ومحمد بن فضيل وهُشَيم، وثبت في رواية شعبة تصريح حُصَين بسماع مجاهد، ورجال الإسناد ثقات، فهو إسناد صحيح قائم بنفسه. وتؤيده رواية الصحابي الأنصاري، وحديث أبي هريرة الصحيح، ولا يحتاج إليهما أصل الحكم. وأما طريق ابن عباس فضعيف جدًا، والطريق الآخر عن عبد الله بن عمرو من رواية ابن إسحاق ففيه عنعنة، فلا مدخل لهما في أصل التصحيح. والاختلاف بين «أفلح» و«اهتدى» محفوظ في الطرق، وأما «فترته إلى سنتي» فهو أثبت من لفظ «شرته إلى سنتي» الذي وقع عند ابن حبان. فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (11/ 547 رقم 6958 ط الرسالة)
2السنة لابن أبي عاصم (1/ 27 رقم 51 ط المكتب الإسلامي)
3بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (1/ 342 رقم 236 ت حسين أحمد صالح الباكري)
4صحيح ابن خزيمة (3/ 293 رقم 2105 ت محمد مصطفى الأعظمي)
5صحيح ابن حبان (1/ 187 رقم 11 ت شعيب الأرناؤوط)
6شرح مشكل الآثار (3/ 266-267 رقم 1236-1237 ت شعيب الأرناؤوط)
7مسند أحمد (11/ 547 رقم 6958 ط الرسالة)
8مسند أحمد (11/ 547 رقم 6958 ط الرسالة)
9السنة لابن أبي عاصم (1/ 27 رقم 51 ط المكتب الإسلامي)
10شرح مشكل الآثار (3/ 266 رقم 1236 ت شعيب الأرناؤوط)
11شرح مشكل الآثار (3/ 266-267 رقم 1237 ت شعيب الأرناؤوط)
12مسند أحمد (11/ 8 رقم 6477 ط الرسالة)
13مسند أحمد (11/ 8 رقم 6477 ط الرسالة)
14صحيح ابن خزيمة (3/ 293 رقم 2105 ت محمد مصطفى الأعظمي)
15صحيح ابن حبان (1/ 187 رقم 11 ت شعيب الأرناؤوط)
16البحر الزخار (6/ 382 رقم 2401 ط مكتبة العلوم والحكم)
17المعجم الكبير (13/ 429 رقم 14274 ط دار إحياء التراث العربي)
18البحر الزخار (6/ 382 رقم 2401 ط مكتبة العلوم والحكم)
19مسند أحمد (38/ 457 رقم 23474 ط الرسالة)
20شرح مشكل الآثار (3/ 268 رقم 1239-1240 ت شعيب الأرناؤوط)
21مسند أحمد (38/ 457 رقم 23474 ط الرسالة)
22شرح مشكل الآثار (3/ 267 رقم 1238 ت شعيب الأرناؤوط)
23سنن الترمذي (رقم 2453 ت بشار)
24شرح مشكل الآثار (3/ 269 رقم 1242 ت شعيب الأرناؤوط)
25صحيح ابن حبان (2/ 62 رقم 349 ت شعيب الأرناؤوط)
26سنن الترمذي (رقم 2453 ت بشار)
27البحر الزخار (11/ 193 رقم 4940 ط مكتبة العلوم والحكم)
28البحر الزخار (11/ 193 رقم 4940 ط مكتبة العلوم والحكم)
29البحر الزخار (11/ 194 رقم 4940 ط مكتبة العلوم والحكم)
30مجمع الزوائد (2/ 261 ت حسام الدين القدسي)
31مختصر زوائد مسند البزار (1/ 322 رقم 502 ت صبري عبد الخالق أبو ذر)
شرح الحديث
(لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ) الشِّرَّة بكسر الشين وتشديد الراء: النشاط والقوة والحرص والاندفاع في العمل؛ فالإنسان قد يقبل على العبادة أول أمره بقوة واجتهاد. (وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ) أي إن ذلك النشاط لا يبقى على درجته دائمًا، بل يعقبه سكون وضعف ونقص في الهمة، وهذا من طبيعة النفس. (فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي) من رجع عند فتور نشاطه إلى الاقتصاد الذي جاءت به السنة، فلم يترك الواجبات ولم يدخل في البدع والمحرمات، وإنما استقر على هدي النبي ﷺ في الاعتدال والمداومة. (فَقَدْ أَفْلَحَ) ظفر بالهداية والسلامة؛ وجاء في بعض الروايات: «فقد اهتدى». (وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) من انتهى به فتوره إلى ترك الهدى، أو سلوك البدعة والمعصية، فقد عرض نفسه للضلال والهلاك، وليس المقصود ذم مجرد نقص النشاط؛ وإنما المذموم أن يخرجه الفتور عن السنة.
فوائد الحديث
في الحديث أن نشاط العبد في العبادة يتغير، وأن دوام القوة على حال واحدة ليس من طبيعة البشر.
وفيه أن الميزان ليس شدة النشاط في بدايته، وإنما ما يستقر عليه العبد عند الفتور.
وفيه أن السنة هي المعيار في حال النشاط وحال الفتور جميعًا.
وفيه ذم الغلو في العبادة إذا أدى إلى الانقطاع أو التفريط، وقد ورد الحديث في قصة اجتهاد عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وفيه أن الاقتصاد على السنة خير من اجتهاد شديد يعقبه ترك أو بدعة.
وفيه أن الفتور في نفسه ليس ضلالًا؛ وإنما ينظر إلى الجهة التي ينتهي إليها صاحبه.
وفيه أن من بقي عند فتوره محافظًا على الفرائض والسنة فقد اهتدى، وإن نقص عن مقدار نشاطه الأول.
وفيه التحذير من البدعة؛ لأنها قد تكون المآل الذي ينتهي إليه من تجاوز هدي النبي ﷺ في العبادة.
وفيه حديثيًا أن الحديث الصحيح لا يحتاج في إثباته إلى ضم الطرق الضعيفة إليه؛ فطريق حُصَين عن مجاهد صحيح قائم بنفسه.
وفيه أن الطريق الضعيف جدًا، كطريق مسلم بن كيسان الأعور عن ابن عباس، لا يدخل في تقوية الحديث وإن كان معناه موافقًا للمحفوظ.
وفيه أهمية تحرير ألفاظ الطرق؛ فإن لفظ «فترته إلى سنتي» محفوظ عن جماعة، وهو أولى من لفظ «شرته إلى سنتي» الواقع في إحدى الروايات.
وفيه أن الاشتراك في القصة لا يجيز جمع جميع الرواة في متابعة واحدة؛ ففي رواية أحمد الطويلة نُص على أن جملة «لكل عابد شرة» من حديث حُصَين، فلا يجعل المغيرة الضبي متابعًا له فيها.