تخريج حديث 1959: «مَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ…»
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ:
مَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.”
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ:
مَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.”
احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وأصلحه أبو داود،3 وقال الترمذي: «حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح».4 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه».5 وابن حبان في «صحيحه».6
رواه البخاري،1 ومسلم،2 والترمذي،3 وابن ماجه،4 وابن خزيمة،5 والدارقطني،6 من طرق عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة». وزاد مسلم7 من طريق علي بن حجر: «في عهد رسول الله ﷺ»، وجاء عند الترمذي 8 :«ما كنا نتغدى في عهد رسول الله ﷺ ولا نقيل إلا بعد الجمعة».
ورواه البخاري،9 وأبو داود،10 والدارقطني من طريق سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، بلفظ: «كنا نقيل ونتغدى بعد الجمعة».11
ورواه أحمد من طريق بشر بن المفضّل، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، بلفظ: «كنا نقيل ونتغدى بعد الجمعة مع رسول الله ﷺ».12 ورواه الدارقطني من طريق بشر بن المفضل كذلك، دون قوله: «مع رسول الله ﷺ».13
ورواه البخاري في سياق أطول من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل، في قصة المرأة التي كانت تصنع لهم السلق والشعير يوم الجمعة، وفيه: «وما كنا نتغدى ولا نقيل إلا بعد الجمعة».14 وثبت أصل القصة عنه في موضع آخر من «الصحيح».15
فالحديث يدور على أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد، وقد رواه عنه جماعة من الثقات؛ منهم عبد العزيز بن أبي حازم، وسفيان الثوري، وبشر بن المفضل، وأبو غسان، واختلفت ألفاظهم اختلاف تنوع لا تعارض فيه: «كنا نقيل ونتغدى بعد الجمعة»، و«ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة»، وجاء التصريح في بعض الطرق: «في عهد رسول الله ﷺ»، وفي رواية أحمد: «مع رسول الله ﷺ». فالأثر صحيح ثابت عن سهل، وهو وإن كان موقوفًا في أصل لفظه، فله حكم الرفع؛ لأنه إخبار عن فعل الصحابة في عهد النبي ﷺ مع التصريح بذلك في الطرق الصحيحة.
وله شاهد صحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة» رواه البخاري.16 وجاء عنه أيضًا: «كنا نبكر إلى الجمعة ثم نقيل».17 وهو يؤكد أن القيلولة يوم الجمعة كانت تتأخر إلى ما بعد الصلاة.
ولا يلزم من الحديث وحده أن الجمعة كانت تصلى قبل الزوال؛ فقد فهم بعض أهل العلم منه ذلك، لكن ابن حجر جمع بين الروايات بأن المراد بالتبكير فعل الصلاة في أول وقتها وتقديمها على القيلولة والغداء، بخلاف عادتهم في غير الجمعة.18 وذهب ابن رجب إلى أن ظاهر بعض الروايات يقوي الاستدلال بالتبكير قبل الزوال، ثم نقل خلاف الجمهور في ذلك.19 فدلالة الحديث على وقت الجمعة مسألة فقهية زائدة على ثبوت أصل الأثر.
(مَا كُنَّا نَتَغَدَّى) أي ما كانوا يتناولون غداءهم المعتاد يوم الجمعة قبل الصلاة، بل يؤخرونه عنها، والغداء اسم لطعام أول النهار. (وَلَا نَقِيلُ) القيلولة هي الاستراحة في وسط النهار، وقد تكون بنوم وقد تكون بدونه. (إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ) أي بعد الفراغ من صلاة الجمعة؛ فكان اشتغالهم بالتبكير إليها والصلاة يقدم يوم الجمعة على الغداء والقيلولة، وقد صرحت بعض الروايات بأن هذا كان في عهد رسول الله ﷺ.
اختلف الفقهاء في أول وقت الجمعة على قولين مشهورين:
الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية: لا تصح الجمعة قبل زوال الشمس، ووقتها وقت الظهر؛ لحديث أنس رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس».1 وعن سلمة بن الأكوع: «كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس».2
والمشهور عند الحنابلة: جوازها قبل الزوال، وإن كان فعلها بعد الزوال أفضل. واستدلوا بحديث جابر رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس».3 وبحديث سهل: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة».4
والأقوى والأحوط فعلها بعد الزوال؛ فهذا هو الثابت الصريح من غالب هدي النبي ﷺ، وأما الأحاديث الأخرى فتحتمل شدة التبكير بها وقربها من الزوال.