حكم محب الدين عبد السبحان واعظ على إسناده بقوله: «هذا إسناد ضعيف جدًا، وعباد بن صهيب متروك».1 وقال عبد الله الجديع: «هذا خبر كذب»، ثم استنكر مجيئه من طريق عباد بن صهيب وحده، ووصفه بأنه «رجل من المتروكين الهلكى».2 وقال عرفة بن طنطاوي: «فهذا الأثر المروي عن عوف بن أبي جميلة ضعيف جدًا، ففيه عباد بن صهيب، وهو متروك، ضعيف الحديث، وكان قدريًا داعية».3
المصادر والمراجع
1المصاحف (1/ 463 ت محب الدين عبد السبحان واعظ)
2المقدمات الأساسية في علوم القرآن (161 ط مركز البحوث الإسلامية - ليدز الأولى)
3الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة (286 ط مركز تأصيل علوم التنزيل الأولى)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي داود،1 قال: «كان في كتاب أبي: حدثنا رجل، فسألت أبي: من هو؟ فقال: حدثنا عباد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة» فذكر الأثر بطوله. ولم أقف له على طريق مستقل عن عوف، وما أورده من جاء بعد ابن أبي داود إنما يرجع إلى هذه الرواية، فلا يوجد تعدد طرق يمكن أن يرفع ضعفها.
ومدار الأثر على عَبَّاد بن صُهَيْب الكُلَيْبي، أبي بكر البصري، عن عَوْف بن أبي جَميلة الأعرابي. وعوف ثقة؛ قال أحمد: «ثقة صالح الحديث»، وقال ابن معين: «ثقة»، وقال النسائي: «ثقة ثبت»، واحتج به أصحاب الكتب الستة.2 وليس الصواب تعليل الخبر بأن عوفًا لم يدرك زمن الحجاج؛ فقد نقل أبو داود عن سعيد بن عامر أن الحجاج مات وعوف ابن ثمان وثلاثين سنة، فكان معاصرًا له بالغًا.3 وإنما يبقى أن صيغة عوف: «أن الحجاج» ليست تصريحًا بأنه شاهد ذلك بنفسه، فلا يزاد على ما تحتمله الرواية.
لكن الآفة القادحة هي عَبَّاد بن صُهَيْب. قال البخاري فيه: «تركوه».4 وقال النسائي: «متروك الحديث».5 وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، منكر الحديث، ترك حديثه».6 وقال ابن حبان: كان قدريًا داعية، وكان «يروي المناكير عن المشاهير» مما يشهد من يعرف الحديث بنكارته.7 وقال علي بن المديني: «ذهب حديثه».8 فجرح هؤلاء شديد، وبعضهم نص على ترك حديثه.
وخالف في بعض ذلك أبو داود فقال في عباد: «كان قدريًا صدوقًا».9 وروي عن يحيى بن معين كلام يدل على قوة معرفته بالحديث، لكن هذا لا يدفع اتفاق جماعة من كبار النقاد على تركه، ولا سيما مع تصريح أبي حاتم بأنه منكر الحديث وترك حديثه، وتصريح البخاري والنسائي بالترك. فغاية ما يستفاد من قول أبي داود أن الرجل لم يكن عنده متهمًا بالكذب في أصل صدقه، لا أن أفراده الغريبة تحتمل ويحتج بها.
والأثر من أفراد عباد عن عوف فيما وقفت عليه، ولا يعرف من رواية أصحاب عوف الحفاظ؛ فقد روى عن عوف شعبة والثوري ويحيى القطان وابن المبارك والنضر بن شميل وغيرهم، ولم أقف على واحد منهم روى هذا الخبر عنه. وتفرد راو حكم عليه البخاري والنسائي بالترك، وأبو حاتم بالنكارة، بمثل هذا الخبر التاريخي الكبير لا يحتمل.
ولا يصح أن يقال إن مجرد معاصرة عوف للحجاج تصحح الخبر؛ فإن البحث أولًا في الطريق الموصل إلى عوف، وهذا الطريق ساقط بعباد. كما لا يصح أن يجعل ورود بعض الألفاظ المذكورة في الرواية في كتب القراءات دليلًا على صحة دعوى أن الحجاج هو الذي غيّر مصحف عثمان؛ فثبوت قراءة أو رسم من جهة، وثبوت الواقعة التاريخية المنسوبة إلى الحجاج من جهة أخرى، ولا يثبت الثاني إلا بإسناد صالح.
كما أن قول ابن أبي داود في عنوان الباب: «ما غير الحجاج في مصحف عثمان» ليس تصحيحًا للخبر؛ فإن المصنفين يعقدون الأبواب ويوردون تحتها الصحيح والضعيف، والعبرة بالإسناد لا بعنوان الباب.
فالخبر مداره على عباد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة. وعوف ثقة وقد أدرك عهد الحجاج، فلا أجعل مجرد عدم المعاصرة علة؛ لكنها رواية منفردة من طريق عباد، وعباد متروك عند البخاري والنسائي، منكر الحديث متروك عند أبي حاتم، وقد شدد ابن حبان في مناكيره. ولا يعرف للأثر متابع مستقل يرفعه، فضلًا عن أن مضمونه دعوى تاريخية عظيمة كان يلزمها نقل أقوى من فرد متروك. فالراجح أن الأثر ضعيف جدًا لا يثبت، ولا يصح الاحتجاج به في نسبة تغيير مصحف عثمان إلى الحجاج.