تخريج حديث 1962: «الْجَلَاوِزَةُ وَالشُّرَطُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ كِلَابُ…»
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَلَاوِزَةُ وَالشُّرَطُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ كِلَابُ النَّارِ.”
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْجَلَاوِزَةُ وَالشُّرَطُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ كِلَابُ النَّارِ.”
قال أبو نعيم: «غريب من حديث طاوس، تفرد به محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم عنه».1 وتعقب ابن عراق تعليل ابن الجوزي بمحمد بن مسلم، فذكر أن ابن معين وغيره وثقوه، وأن مسلمًا وأصحاب السنن رووا له، وأن ابن عدي قال: له غرائب ولم أر له حديثًا منكرًا.2 لكن قال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح»، وأعله بمحمد بن مسلم الطائفي، ونقل أن أحمد ضعفه جدًا.3 وقال الشوكاني: «لا يصح».4 وضعفه الألباني.5
رواه أبو نعيم،1 من طريق محمد بن عُلُّوش بن الحسين الجرجاني، عن علي بن المثنى، عن يعقوب بن خليفة أبي يوسف الأعشى، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، مرفوعًا بلفظ: «الْجَلَاوِزَةُ وَالشُّرَطُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ كِلَابُ النَّارِ». وقال أبو نعيم عقب إخراجه: «غريب من حديث طاوس، تفرد به محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم عنه».2
ورواه الخطيب البغدادي،3 من طريق عبد الصمد بن الفضل، عن عمر بن حكيم أخي شداد بن حكيم، عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا مختصرًا: «الشُّرَطُ كِلَابُ النَّارِ». ووقع في بعض نسخ «تالي تلخيص المتشابه»: «محمد بن سلم»، بينما ساق ابن الجوزي الطريق نفسه بـ«محمد بن مسلم»، ثم صرح بأن طريقي الحديث كليهما يدوران على محمد بن مسلم.4
فالطريقان ليسا شاهدين مستقلين؛ لأنهما يلتقيان عند محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن عبد الله بن عمرو. والاختلاف إنما هو في الرواة دون محمد بن مسلم، وفي اللفظ؛ فالطريق الأول فيه اللفظ التام، والثاني فيه «الشرط كلاب النار».
ومدار الحديث على محمد بن مسلم الطائفي، وهو مختلف فيه؛ قال أحمد: «ما أضعف حديثه»، وقد ضعفه جدًا، وقال يحيى بن معين: «ثقة»، وقال أيضًا: «كان إذا حدث من حفظه يخطئ، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس».5 وقال عبد الرحمن بن مهدي: «كتبه صحاح»، وقال أبو داود: «ليس به بأس»، وقال ابن عدي: «صالح الحديث، لا بأس به، لم أر له حديثًا منكرًا».6 فالراجح أن الرجل ليس متروكًا، وإنما هو صدوق يقع له الخطأ، وخاصة إذا حدث من حفظه، فلا يصح جعل مجرد وجوده في السند سببًا للحكم على الخبر بالوضع.
ولهذا كان تعليل ابن الجوزي بالراوي وحده محل تعقب؛ فقد نبه ابن عراق إلى توثيق ابن معين له ورواية الأئمة عنه.7 لكن دفع علة محمد بن مسلم لا يصحح الخبر؛ لأن تفرده بهذا الحديث باقٍ، وقد نص أبو نعيم عليه، كما أن في الطريق الذي ساقه أبو نعيم جماعة دون محمد بن مسلم لم يقف الألباني على تراجمهم، فقال: «وتحته جماعة لم أجد من ترجمهم».8
وأما طريق الخطيب المختصر فلا يرفع هذه العلة؛ لأنه يرجع إلى محمد بن مسلم نفسه، فلا يصلح متابعة له، وفوق ذلك لا يثبت منه اللفظ التام «الجلاوزة... وأعوان الظلمة»، وإنما فيه «الشرط كلاب النار».
ولمعنى الوعيد في أعوان الظلم أصل صحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ...».9 وهذا شاهد صحيح لوعيد من يضرب الناس ظلمًا، لكنه لا يشهد للفظ «كلاب النار»، ولا يصحح حديث عبد الله بن عمرو، ولا يدل على ذم كل من عمل في الشرطة بمجرد عمله فيها.
فالحديث مداره على محمد بن مسلم الطائفي، وقد تفرد به عن إبراهيم بن ميسرة كما نص أبو نعيم، والطريقان عنه لا يستقل أحدهما عن الآخر، واللفظ التام جاء من طريق فيمن دون محمد بن مسلم فيه من لم تتحرر حاله. ومحمد نفسه مختلف فيه، والراجح أنه صدوق يخطئ لا أنه متروك، ولذلك لا يصح تشديد ابن الجوزي حتى يجعل الخبر موضوعًا لمجرد حاله، لكن التفرد مع ضعف الطريق إليه يمنع من قبول الخبر. ولهذا فقول الشوكاني والألباني بضعفه هو الأقرب: الحديث مرفوع ضعيف، ومعنى الوعيد على إعانة الظلمة ثابت بأدلة صحيحة أخرى، دون هذا اللفظ بعينه.
(الْجَلَاوِزَةُ) جمع جِلْواز، وهو القائم مع السلطان على تنفيذ أمره، ويطلق على الشرطي والحارس الغليظ، (وَالشُّرَطُ) جمع شرطي، وهم من يتولى الحفظ والتنفيذ للسلطان، (وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ) أي الذين يعينون أهل الظلم على ظلمهم بالضرب أو البطش أو أخذ الحقوق ونحو ذلك، لا مجرد كل من كان في جهاز الشرطة، (كِلَابُ النَّارِ) لفظ وعيد شديد، لكنه لا يثبت بهذا الحديث، وإنما الثابت في الصحيح وعيد من يضرب الناس بغير حق كما في حديث مسلم.