أصلحه أبو داود،1 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب».2 وأورده ابن حبان في «صحيحه»،3 والضياء في «المختارة»،4 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد».5 وسكت عنه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى»، وهو دليل على صحته عنده بحسب شرطه.6 وقال ابن الملقن: «صحيح».7 وقال ابن حجر: «هذا حديث حسن صحيح».8 وصححه الألباني.9
لكن قال النسائي عقب روايته: «عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف، ويزيد بن فراس مجهول لا نعرفه».10 وأعل أبو زرعة طريق أبي مودود عن محمد بن كعب فقال: «هذا خطأ»، ورجح روايته عن رجل، عمن سمع أبان.11 وقال الدارقطني في الاختلاف على أبي مودود: «وهذا القول هو المضبوط عن أبي مودود، ومن قال فيه: عن محمد بن كعب القرظي فقد وهم»، ثم قال عن طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه: «وهذا متصل، وهو أحسنها إسنادًا».12
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (4/ 323 رقم 5088 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
2سنن الترمذي (رقم 3388 ت بشار عواد معروف)
3صحيح ابن حبان (3/ 132 رقم 852 ت شعيب الأرناؤوط)
4الأحاديث المختارة (1/ 434 رقم 310 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
5المستدرك على الصحيحين (3/ 47 رقم 1919 ط التأصيل)
6الأحكام الوسطى (4/ 313)
7ما تمس إليه الحاجة (ص122)
8نتائج الأفكار (2/ 367)
9صحيح الترغيب والترهيب (رقم 655)
10السنن الكبرى للنسائي (9/ 137 رقم 10106 ت حسن عبد المنعم شلبي)
11علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم 2105 ت سعد بن عبد الله الحميد وخالد بن عبد الرحمن الجريسي)
12علل الدارقطني (3/ 8-9 رقم 254 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
تخريج الحديث
رواه أبو داود الطيالسي،1 وأحمد،2 والترمذي،3 والنسائي،4 وابن ماجه،5 والحاكم،6 والضياء،7 من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن أبان بن عثمان، عن أبيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، مرفوعًا.
وهذا أصح طرق الحديث وأحسنها؛ وقد نص الدارقطني بعد جمع الاختلاف على أن طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبان، عن عثمان «متصل، وهو أحسنها إسنادًا».8
ومدار هذا الطريق على عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، أبي محمد، المعروف بابن أبي الزناد، وقد اختلف النقاد فيه؛ فقال يعقوب بن شيبة: «ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف»، وقال علي بن المديني: ما حدث به بالمدينة فهو أصح، وكان يضعفه فيما حدث به بالعراق، وقال يحيى بن معين في روايات: «ضعيف» و«ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث»، وقال أحمد: «مضطرب الحديث»، وقال النسائي: «ضعيف» و«لا يحتج بحديثه».9 ولخص ابن حجر حاله بقوله: «صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا».10
فطريق ابن أبي الزناد متصل، ورجاله معروفون، لكن الكلام في ضبط ابن أبي الزناد يمنع على طريقة من يضعفه من النقاد، وفي مقدمتهم النسائي من الجزم بصحة الطريق منفردًا. وقول الدارقطني: «أحسنها إسنادًا» ترجيح له على بقية الطرق، وليس نصًا في أن رجاله على شرط الصحيح.
ورواه أبو داود،11 من طريق عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي، عن أبي مودود عبد العزيز بن أبي سليمان، عمن سمع أبان بن عثمان، عن عثمان، مرفوعًا، بلفظ: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ».
ورواه أبو داود أيضًا،12 وأحمد،13 وابن حبان،14 من طريق أنس بن عياض أبي ضَمرة، عن أبي مودود، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبان بن عثمان، عن عثمان، مرفوعًا. إلا أن تسمية محمد بن كعب في هذا الإسناد غير محفوظة.
فقد أنكر عبد الرحمن بن مهدي أن يكون الحديث من طريق أبي مودود، عن محمد بن كعب القرظي؛ فلما ذكر له علي بن المديني هذا الوجه قال: «هو باطل»، ثم أخرج كتابه فأملى: أبو مودود، قال: حدثني رجل، عن رجل، أنه سمع أبان بن عثمان، عن عثمان، عن النبي ﷺ.15
وقال أبو زرعة في رواية أبي ضمرة عن أبي مودود عن محمد بن كعب: «هذا خطأ، والصحيح ما حدثنا القعنبي قال: حدثنا أبو مودود، عن رجل، قال: حدثنا من سمع أبان بن عثمان بن عفان...».16
وجمع الدارقطني الاختلاف فقال: رواه أبو ضمرة عن أبي مودود عن محمد بن كعب، وتابعه خالد بن يزيد العمري، وخالفهما زيد بن الحباب فرواه عن أبي مودود عمن سمع أبان، وخالفهم عبد الرحمن بن مهدي وأبو عامر العَقَدي فروياه عن أبي مودود، عن رجل، عمن سمع أبان، ثم قال: «وهذا القول هو المضبوط عن أبي مودود، ومن قال فيه: عن محمد بن كعب القرظي فقد وهم».17
فالمحفوظ في طريق أبي مودود وجود رجلين غير مسميين بينه وبين أبان، وهذا يضعف الطريق من جهة الإبهام، لكنه طريق مستقل عن طريق ابن أبي الزناد، ويدل على أن أصل هذا الخبر كان معروفًا عن أبان من غير طريق أبي الزناد.
ورواه النسائي أيضًا،18 من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك، عن يزيد بن فِراس الحجازي، عن أبان بن عثمان، عن أبيه، مرفوعًا، بلفظ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، لَمْ يُصِبْهُ فِي يَوْمِهِ فَجْأَةُ بَلَاءٍ...».19 لكن يزيد بن فراس مجهول؛ قال أبو حاتم: «مجهول لا يعرف»، ونص النسائي نفسه على جهالته.20
وجاء عن أبان وجه آخر من رواية المنذر بن عبد الله الحِزامي، عن أبان، وفيه نحو هذا المتن، لكن في اتصاله نظر لتباعد طبقته عن أبان، فلا يعتمد عليه في الحكم.21
فمدار الحديث في أصله على أبان بن عثمان، عن أبيه عثمان رضي الله عنه. وأحسن طرقه إليه طريق أبي الزناد، عن أبان، وقد انفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وهو مختلف فيه، والنسائي يضعفه، والدارقطني مع ذلك رجح هذا الطريق على بقية الأوجه وقال: «متصل، وهو أحسنها إسنادًا». ويعضده أصل طريق أبي مودود، وإن كان المحفوظ فيه إبهام رجلين، وطريق يزيد بن فراس وهو مجهول. فهذه الطرق لا تجعل كل إسناد منها صحيحًا منفردًا، لكنها مستقلة في الجملة عن ابن أبي الزناد وتتفق على أصل الحديث عن أبان؛ ولذلك فالراجح أن الحديث مرفوع حسن لغيره، وتصحيح الترمذي وابن حجر ومن بعدهما له قوي من جهة مجموع طرقه، وأما رفع طريق ابن أبي الزناد وحده إلى الصحيح ففيه نظر بسبب كلام النقاد في ضبطه.
ولا يصح الاعتماد على رواية أبي مودود عن محمد بن كعب في التقوية على أنها إسناد متصل صحيح؛ فقد حكم عبد الرحمن بن مهدي ببطلان هذا الوجه، وقال أبو زرعة: «هذا خطأ»، وقال الدارقطني إن من سمى محمد بن كعب «فقد وهم»، والمحفوظ وجود المبهمين. وهذه علة مهمة ينبغي إبرازها في تخريج الحديث، لا طمسها بصحة أصل المتن.
المصادر والمراجع
1مسند أبي داود الطيالسي (1/ 77 رقم 79)
2مسند أحمد (1/ 498 رقم 446 ط الرسالة)
3سنن الترمذي (رقم 3388 ت بشار عواد معروف، ولم أتحقق من الصفحة في هذه الطبعة)
4السنن الكبرى للنسائي (9/ 137 رقم 10106 ت حسن عبد المنعم شلبي)
5سنن ابن ماجه (2/ 1273 رقم 3869 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
6المستدرك على الصحيحين (3/ 47 رقم 1919 ط التأصيل)
7الأحاديث المختارة (1/ 434 رقم 310 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
8علل الدارقطني (3/ 9 رقم 254 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
9تهذيب الكمال (17/ 98-101 ت بشار)
10تقريب التهذيب (ص340)
11سنن أبي داود (4/ 323 رقم 5088 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
12سنن أبي داود (4/ 323-324 رقم 5089 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
13مسند أحمد (1/ 546 رقم 528 ط الرسالة)
14صحيح ابن حبان (3/ 132 رقم 852 ت شعيب الأرناؤوط)
15علل ابن أبي حاتم (412-413/5 رقم 2079 ت الحميد والجريسي)
16علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم 2105 ت سعد بن عبد الله الحميد وخالد بن عبد الرحمن الجريسي)
17علل الدارقطني (3/ 8-9 رقم 254 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
18السنن الكبرى للنسائي (9/ 137 رقم 10107 ت حسن عبد المنعم شلبي)
19السنن الكبرى للنسائي (9/ 137 رقم 10107 ت حسن عبد المنعم شلبي)
20تهذيب الكمال (20/ 366 ت بشار)
21تاريخ دمشق (6/ 148)
شرح الحديث
(مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ) فيه تقييد هذا الذكر بأول النهار وأول الليل، فهو من أذكار الصباح والمساء. (بِسْمِ اللهِ) أي أستعين بالله وأعتصم به وأتحفظ بذكر اسمه جل وعلا. (الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) أي أن من استعاذ بالله وذكره بهذا الذكر على الوجه المشروع كان في حفظ الله، ولا يملك شيء في الأرض ولا في السماء أن يستقل بإيقاع الضرر به خارج مشيئة الله وقدره. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي السميع لأقوال عباده ودعائهم، العليم بأحوالهم وبما ينفعهم ويضرهم. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) عدد شرعي مقيد بالنص، فلا يزاد عليه أو ينقص عنه عند قصد هذه السنة. (فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ) أي يحفظه الله من الضرر الذي وعد بالحفظ منه بهذا الذكر، وجاء في الطريق الآخر تفسيره بقوله: «لم تصبه فجأة بلاء». ولا يعني الحديث خروج العبد عن عموم القضاء والقدر؛ ولهذا لما أصاب أبان الفالج قال: «ولكني لم أقله يومئذ ليمضي الله علي قدره».1
المصادر والمراجع
1سنن ابن ماجه (2/ 1273 رقم 3869 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
فوائد الحديث
في الحديث مشروعية هذا الذكر في الصباح والمساء.
وفيه أن العدد «ثلاث مرات» مقصود في هذه السنة، فلا يثبت بمجرد المعنى بل بالنقل.
وفيه إثبات اسمي الله تعالى: السميع والعليم.
وفيه مشروعية الاستعاذة بالله والتحصن بذكر اسمه من الآفات والبلايا.
وفيه أن الأذكار أسباب شرعية للحفظ، وأن السبب لا يخرج عن مشيئة الله وقدره.
وفي قصة أبان إثبات الإيمان بالقدر، وأن وقوع البلاء لا يستلزم تكذيب الوعد النبوي إذا تخلف سببه في الواقعة المعينة.